«حزب الله» بين واشنطن وحي السلّم

قُضي الأمر، العقوبات الاميركية على «حزب الله» تسلك طريقها الروتيني نحو أن تصبح أمراً واقعاً، بعدما أقرّها مجلس النواب بالاجماع وبقي أن يمررها مجلس الشيوخ ويوقّعها الرئيس. بعد كل التوقعات والتحليلات والرحلات المكوكية لشخصيات لبنانية الى واشنطن، أتت هذه العقوبات ضمن استراتيجية أشمل أعلنها ترامب لمواجهة إيران وأذرعتها في المنطقة، وعلى رأسها «حزب الله». والملفت كان تضمُّنها الى جانب العقوبات المالية، مشروع قانون لمعاقبة «حزب الله» على استخدام المدنيين كدروع بشرية، ودعوة الى الاتحاد الاوروبي لاعتبار الحزب إرهابياً بالكامل دون الفصل بين جناحيه العسكري والسياسي.

هذا الخبر كان أحد ابرز عناوين الاخبار محليا، لكنه لم يكن هو «العنوان». إذ انشغلت وسائل الاعلام التقليدية والحديثة بفيديوهات غير مسبوقة أتت من حي السلّم، حيث البيئة «المحسوبة» على «حزب الله» والحاضنة له. حنق وغضب من إزالة تعديات على الاملاك العامة، تحوّل مناسبة لتفجير بعض المكنونات التي لم تنجح فيديوهات اعتذار لاحقة في إعادتها الى القمقم. لا بالعكس، فبعد أن كان متابعون للوضع يتحدثون عن امتعاض داخل تلك البيئة يحول الانتماء اليها والحرص عليها دون إخراجه الى العلن، أصبحوا يتخوفون الآن من استخدام الترهيب وسيلة لإبقائها داخل «أسوار البيت»، بعدما انتشرت المقارنات بين الفيديوهات الأولى وتلك التي تضمنت الاعتذارات.

هل نستطيع الحديث عن مأزق يعيشه «حزب الله» من واشنطن الى حي السلّم؟ إنها على الأقل حالة لم نشهد لها مثيلا منذ تأسيس الحزب في الثمانينات. حينها لعب العامل الاقتصادي عاملا مهما رفده بالعدة والعديد والمناصرين، إذ استطاع بتلقيه حوالي مئة مليون دولار سنويا من ايران، تضاعفت مع حلول العام الفين، ووصلت الى ثمانمئة مليون بعد سنوات، أن يقيم ما بات متعارفا على تسميته بدولة ضمن الدولة، أو بدويلة «حزب الله» التي اضحت أقوى من دولة لم يعد جمهوره يعترف بها. القوة الاقتصادية، الى جانب العامل الايديولوجي واستعراض القوة، مكّنت الحزب من فرض ما وصفه الكاتب علي الامين بعقد أبوة ضمني بينه وبين المكون الشيعي في البلد، تحول الى سلوك اجتماعي، ومن هنا كان العتب عليه كما أتى على لسان إحدى السيدات «قلت إنك ستحمينا من الدولة».

التصريحات العفوية تجاوزت العتب الى الامتعاض من إرسال الابناء الى سوريا، حيث يخوض الحزب حربا ساق لها مبررات كثيرة لم تعد، على ما يبدو تقنع البعض. إنه التمدد الاستراتيجي الزائد، الذي فتح أمام الحزب باب «الاعتزاز والفخر» بانه أصبح قوة إقليمية لا يستهان بها في أي معادلة، وبأن المقاتلين ضمن صفوفه أضحوا من جنسيات مختلفة، إلا أنه فتح من ناحية أخرى «صندوق باندورا» تداعيات ذاك الدور المباشرة وغير المباشرة، على الحزب نفسه وعلى جمهوره وعلى فئات أخرى كانت تؤيده مقاومةً ضد الاحتلال في لبنان، وضاعت في تصنيفه عندما أصبح هو المحتل في سوريا. 

جمهور الحزب وشرائح أخرى من المجتمع اللبناني، هي من ستطاله العقوبات الجديدة القادمة من واشنطن، الى جانب الاشخاص والمؤسسات والدول خارج لبنان التي تتعامل مع الحزب، إما لجهة تمويله أو التجنيد لصالحه أو دعمه ماليا، خصوصا الدول الراعية للارهاب، كما ورد في مشروع القانون. نقاط تلتقي مع تقرير صدر في ايلول عن مركز العقوبات والتمويل غير المشروع الاميركي.

في التقرير، حديث عن صعوبات مادية يواجهها «حزب الله» منذ بدء الحرب السورية، يتخطاها بفضل الدعم الخارجي الذي توفره له ايران، وشبكة أعمال غير شرعية منتشرة في العالم تساعده فيها دول مثل فنزويلا، الى جانب تهريب البضائع والمتاجرة بالمخدرات وفرض ضرائب على المغتربين من بيئته، خاصة في دول افريقيا، وإجبارهم على اقتطاع نسبة من أرباحهم لصالح تمويله. عدا عن شركات وهمية لغسل الاموال، بالاضافة الى هبات من مناصريه. إلا أن التقرير يعترف بأن الأموال التي يتلقاها الحزب تصله بحقائب وليس عبر المصارف، من هنا فإن أثر العقوبات المالية على الحزب نفسه سيبقى محدودا، إلا أنها قد تحشر مؤيديه، ومعهم شرائح أخرى.

على كل حال، فان السيد حسن نصرالله نفسه كان قد قال ان العقوبات لن تؤثر على الحزب، لكنها قد تؤثر على أشخاص يتبرعون له. الامين العام للحزب، كان قد كثّف من إطلالاته في السنوات الأخيرة، موجها معظم حديثه بحسب مراقبين الى البيئة الداخلية في محاولة للابقاء على شد عصبها. ولكن هل سيبقى صدى التعبئة على حاله عندما يضيق الخناق الاقتصادي؟ أو عندما يضع المجتمع الاميركي والدولي نفسه في حُلٍ من تعرُّض المدنيين لويلات اي حرب محتملة، ويلقي باللائمة على الحزب لاستخدامه إياهم دروعاً بشرية ( بالاشارة الى مشروع القانون الاخير)؟ هل سيبقى الولاء نفسه إذا ما قصّر الحزب في تقديمات اجتماعية ومالية اعتاد عليها بعض المنضوين في صفوفه؟ وماذا عن ضيقٍ نقله مقربون من ميسوري حال طُلب منهم التكفل بمن تسببت الحرب السورية بيُتمه؟ وفي أي إطار يمكن أن نضع فيلم فيديو تم التداول به بكثرة على أنه تعذيب لاحد المواطنين من قبل أجهزة الأمن، ليتضح بعد ذلك، بحسب أحد المصادر أنه فيلم تم تصويره عام ٢٠١٤ في أحد مقرّات الحزب بالضاحية الجنوبية، وبأن من سربه هو أحد المنتمين الى الحزب بعد خلافات داخلية؟

يُحكى أن شجرة ضربت جذورها عميقا في الارض، وتمددت أغصانها وارتفعت وحدودها السماء، وعملت على تقوية نفسها بمساعدة أشواك عملاقة حالت دون وصول أي حطّاب ببلطته اليها. ولكنها وفي غمرة زهوها نسيت الالتفات كما يجب لسوس صغير أخذ ينخر بها، وفاتها أن مِنعتها وبقاءها مسألتان تعتمدان بالدرجة الأولى على حصانة تُغذيها من الداخل بدل أن تتغذى عليها. فهل تتنبه للأمر قبل فوات الأوان؟

بكلام أوضح، هل يعي «حزب الله» أن استمراريته وضمان دوره في مستقبل البلد تعتمد على انفتاح حقيقي على كافة أطياف المجتمع اللبناني، وانضوائه معهم تحت مظلة تقيه تقلبات الزمن؟ أم أن افتخاره بقوته الاقليمية يؤكد أن قراره هناك في الاقليم حتى في أدق الامور؟ وماذا سيفعل الراعي – الأب الاقليمي إذا ما اشتدت العواصف؟ هل يتحصن داخل أسواره ويستمر بالقتال حتى آخر نفس خارج الحدود؟ الرياح الغربية آتية عاتية على ما يبدو هذه المرة، والتغيير هو ما تصفر به.

رابط المقال كما نُشر أولا على جريدة المستقبل:

http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=752718

خطة طريق بوتين السورية.. تسوية شاملة أم «التقاط أنفاس»؟

 

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=752290

رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة خطة مستقبلية للخروج من الأزمة السورية، وتحدث خلال منتدى فالداي للحوار الذي عُقد في سوتشي، عن ما يمكن أن يسمى بـ«خريطة طريق» تتطلب تعاون مختلف أطراف النزاع.

تنطلق الخطة بحسب بوتين من مناطق خفض التصعيد. من هناك يقترح أن تنطلق بعد دحر «داعش» الذي قال بحذر إنه بات قريباً، مرحلةٌ ثانية قوامها تشكيل ما أسماه مجلس عموم شعبياً (People’s Congress) يضم كل الاثنيات والمذاهب وأطياف المعارضة والنظام. هذا المجلس سيفتح الطريق برأيه أمام تسوية سياسية شاملة إذا ما تم بدعم ورعاية من الأطراف الإقليمية، مسمياً بالتحديد السعودية ومصر. وإذا ما تكلل ذلك بالنجاح، يصبح ممكناً الانطلاق إلى المرحلة الثالثة المتمثلة بالتحضير لدستور جديد للبلاد.

هل يمكن التوقف عند هذه الخطة وإمكانية البناء عليها؟ بالتأكيد ولأكثر من سبب، أبرزها أولاً أن بوتين نجح في فرض نفسه طرفاً أساسياً في الحرب السورية وثبّت أقدامه على الأرض هناك في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الغربية الأخرى تتخبط في سياساتها وأولوياتها. وثانياً، التطورات الميدانية على الأرض وأهمها الهزائم المتلاحقة لـ«داعش»، وثالثاً حالة الإنهاك وانعدام الأفق التي قد تدفع أطراف الأزمة إلى البحث عن حلول واقعية ممكنة، ورابعاً شمول الخطة أطرافاً فاعلة غابت عن الآستانة. إلا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطريق معبّدة أمام تنفيذ خطة طموحة من هذا النوع، وتبقى دونها عقبات كأداء.

مصدر مصري مسؤول رأى في المقترح الروسي ضغطاً على مصر والسعودية باتجاه مزيد من العمل على توحيد أطياف المعارضة، معتبراً في حديث لـ«المستقبل» أن مصر كانت منذ البداية تدفع في هذا الاتجاه من خلال مؤتمر القاهرة. وحالياً، تحاول موسكو برأيه أن تكون ضابط ايقاع يوازن بين مختلف أطراف الأزمة. وهنا يجب على مصر والسعودية والإمارات أن تتفاهم وتشكل كتلة وازنة، بإمكانها أن تؤثر وتشكل عاملاً محدِّداً، إذا ما اتفقت على رؤية يمكن تقديمها للروس من منطلق واقعي قوي نسبياً يريد الوصول إلى حلول. لكنه أشار إلى ضرورة عدم التخلي عن مؤتمر جنيف، لأن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن مسألة ضرورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. 

رئيس تحرير صحيفة «الرياض بوست» سلطان السعد القحطاني قال لـ«المستقبل» إن هناك قناعة سعودية على مستوى رفيع تدعم فكرة المناطق الآمنة في سوريا كمنطلق أساسي في حل الملف السوري عبر مراحل عدة، كما أن لموسكو تواجداً قوياً في المعادلة لا يمكن تجاهله، وهواجس من الدور الغربي. على هذا الأساس نشهد تعاوناً سعودياً روسياً يهدف إلى تقريب وجهات النظر والبناء عليها، خصوصاً أن روسيا تبدو أكثر مرونة حيال ايجاد بديل للأسد على أن يحظى بمباركتها. وبرأي القحطاني، فإن الدور الروسي ـ السعودي سيؤدي إلى خروج تركيا وقطر من المعادلة وضبط إيقاع إيران، وأن الحل لن يأتي عن طريق مؤتمرات السلام لاختلافات كثيرة في رأي المعارضة، لكنه قد يُفرض فرضاً من قبل ثلاث عواصم هي: موسكو وواشنطن والرياض. مشيراً إلى الرغبة الأميركية ـ السعودية بإخراج إيران وحلفائها من سوريا والعراق.

إيران كانت ربطت صراحة أمنها بأمن سوريا، ودفعت وما زالت تدفع الغالي والرخيص مقابل نفوذها هناك. الرهان لدى العديد من المحللين الأميركيين يبقى على أن تقوم روسيا بالحد من هذا النفوذ. إلا أن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، يرى أن هذا أمر مشكوك فيه نظراً للمصالح الروسية – الإيرانية الكبيرة في القوقاز وآسيا الوسطى. ويضيف في مقال له في الـ«فورين أفيرز» أن واشنطن وتل أبيب «أخذتا قرارهما منذ سنين عندما سمحتا ببقاء الأسد في السلطة، الآن لا مفر من السماح بنفوذ إيراني في سوريا». إلا أن السؤال يبقى عن حجم هذا النفوذ وحدوده إذا ما كانت هناك إرادة فعلية للتوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع. 

أما في ما يتعلق بتركيا فإنها بحسب أحد المراقبين ما زالت متمسكة بما تبقى لها من أوراق على الأرض في سوريا، وسوف تتجه إلى مزيد من التشدد أو حتى عرقلة أي جهود لتوحيد مجموعات المعارضة السورية، ما لم تحصل على ضمانات بدور في الحل السياسي، وبعدم قيام كيان كردي سوري. 

الطرف الأوروبي الذي خرج عملياً من المعادلة بعد فشل إطار فيينا للحل، يحاول العودة عبر دعوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من بروكسيل الى انتقال سياسي متفاوض عليه بات ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. وهو في هذا الإطار اقترح «حكومة شاملة» في المناطق المحررة من «داعش» وأولها الرقة، تحترم جميع الطوائف وتستعيد الحياة الطبيعية. دعوة تلتقي مع الخطة الروسية، بعد فشل محاولة سابقة لماكرون لعقد اجتماع لمجموعة اتصال تجمع طرفي النزاع والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وباقي الدول المعنية، بعد اعتراض لاقته من واشنطن.

أجواء توحي بمباركة إقليمية ودولية محتملة لخطة بوتين الطموحة؟ ربما، هل تكفي؟ لا، ما لم يتم ايجاد حلول لمعضلات عدة على الأرض، وهذه بعض الأمثلة:

صحيح أن روسيا نجحت بعد سقوط حلب ومؤتمر الآستانة بإقامة أربع مناطق منخفضة التصعيد، إلا أن النجاح ليس كاملاً. فوقف إطلاق النار ما زال يعاني من خروق، وهناك انتقائية في احترامه على وقع خطط عسكرية، فإذا ما أرادت موسكو لمرحلة ثانية أن تبدأ، عليها أولاً فرض احترام أسس المرحلة الأولى. أضف إلى ذلك الموزاييك المتنوع من قوى موجودة على الأرض مدعومة من جهات عديدة، ما زال نظام الأسد يرفض حتى الاعتراف بها، وترفض هي بالمقابل التعامل معه بأي شكل من الأشكال. ماذا عن ضمان أمن وحرية المدنيين في اختيار ممثليهم لأي مجلس عموم مقترح؟ وماذا عن صلاحيات تُعطى لهؤلاء بضمانات؟ أيضاً، هناك التحديات الاقتصادية التي تفرض نفسها لعودة عجلة الحياة اليومية إلى الدوران في المناطق التي تلحظها الخطة، هل تنتظر البنى التحتية التي دُّمرت التسوية النهائية أم أن تأمين الحد الأدنى من ماء وغذاء وطبابة ممكن، وكيف؟ ما مدى واقعية الحديث عن عودة للنازحين واللاجئين وشبح الأسد ما زال جاثماً في دمشق؟ 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مرحلة جديدة في سوريا ستدعم فيها الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية وتعمل على خفض مستوى العنف وتهيئة الظروف المناسبة لسلام دائم بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، وصولاً إلى انتقال سياسي يحترم إرادة الشعب السوري. كلام يتقاطع هو الآخر مع خطة بوتين إذا ما تم الاتفاق على تفاصيل عادة ما تكمن الشياطين فيها. فهل من تناغم فعلي في هذا الإطار بين الرئيسين؟

بوتين كان اعتبر أنه أخطأ عندما وثق في الغرب أكثر مما ينبغي، فهل سيثق بالأطراف المعنية بالأزمة السورية كفاية وتثق هي به بالمقابل لإنجاح خطته؟ وهل تكون الأهداف المضمرة أكبر من المعلن عنها؟ يرى روبرت فيسك في الـ«اندبندنت» أن بوتين لا يحاول أن يحل مشاكل المنطقة بغض النظر عما يقول. وأنه ما زال يخاطر في سوريا، ويتلاعب بشعوب المنطقة، بهدف ترسيخ روسيا في الشرق الأوسط بشكل يصبح معه من الصعب على أي أحد أن يُقدم على أي شيء من دون التفكير برد فعل بوتين، مطلقاً على ذلك اسم «القوة السياسية». 

هل هي قوة سياسية أم أحلام قيصرية في زمن متعولم يحتاج إلى طي صفحة الفوضى وحد أدنى من الاستقرار؟ وهل أضحى البحث عن حل للأزمة السورية ترفاً لترسيخ تلك القوة أم ضرورة للخروج من عنق الزجاجة؟ وهنا يمكن لنا أن نتخيل حجم المأزق الكبير لبوتين من دون تسوية سياسية في سوريا. فهل وصلت الأطراف جميعها إلى حالة من الإنهاك قد تدفعها إلى التقاط المقترح القادم من سوتشي ولو كان الهدف التقاط الأنفاس؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك.

أخيرا: اعترف العرب بتغيّر المناخ..

«تغيُر المناخ» مصطلح دخل أدبياتنا بقوة في السنوات الأخيرة، ودق جرس إنذار كان من المفترض أن تهتز معه البشرية جمعاء، وتتوحد في مواجهة تداعياته، لكن مع الأسف بقي العالم مقصراً في وضعه على رأس سلم أولوياته. ذلك أن سمة العصر ما انفكت التنافس هنا والصراع هناك، تناتش على قطع جبن فيما القطيع يسير نحو الاندثار.

ما يعطي بارقة أمل، هو موجة الاعتراف الكبيرة بالأزمة، رغم غض الطرف من بعض واضعي السياسات، الذين يحاولون الهروب الى الأمام عبر التمسك بمصالحهم الآنية وتلك الكامنة في المستقبل القريب. وهم بذلك يضعون كالنعامة رؤوسهم في التراب، متناسين أن التراب نفسه ليس سوى قشرة قد تلفظها أمنا الطبيعة جانباً، وتلفظنا معها كجنس بشري، إذا اقتضت الضرورة ذلك.

العالم العربي، وهو بالمناسبة من أكبر المتضررين، اعترف بالظاهرة، وفي إعلان وزاري مشترك صدر عام ٢٠٠٧ أقرّ بالآثار المحتملة لتغير المناخ على التنمية في المنطقة. وقد انبثقت عن ذاك الإعلان مبادرة «ريكار» (المبادرة الإقليمية لتقويم أثر تغير المناخ على الموارد المائية وقابلية تأثر القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية). ومنذ ذلك الوقت، انكبت الأطراف المشاركة في المبادرة على إجراء البحوث والدراسات العلمية لرصد الظاهرة وانعكاساتها على أكثر من صعيد بيئي وحياتي.

بعد سنوات من البحث، تم وضع تقرير مفصل أبرز ما جاء فيه أن التغيير المناخي حصل فعلاً وقد تم رصده عبر أكثر من مؤشر، أبرزها ارتفاع مضطرد في درجات الحرارة، وتغيير في نسق هطول الأمطار، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على المحاصيل الزراعية والصحة العامة والتنمية البشرية. علماً أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبحسب الدراسات المتوقعة، ستكون الأولى التي ستواجه قريباً أزمة ندرة المياه العذبة، والارتفاع الهائل بدرجات الحرارة. وهو تحدٍ تستتبعه بالضرورة معوقات تطال كل مناحي الحياة البشرية والحيوانية والنباتية والمائية.

التقرير الذي استمر العمل عليه لسنوات، تضمن داتا ومعلومات قيمة غير مسبوقة، حاولت مد جسور بين العلم والتكنولوجيا من جهة، والاقتصاد والسوسيولوجيا من جهة أخرى، في محاولة لتوفير بنية تحتية يمكن البناء عليها من أجل البحث عن حلول. وقد تم عرضه خلال مؤتمر رفيع المستوى نظمته الاسكوا مع إحدى عشرة منظمة أخرى، وعقد في العاصمة اللبنانية بيروت برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. تميز المؤتمر بمحاولة البحث عن سبل علمية تتيح التكيف مع تداعيات التغير المناخي الحاصل فعلاً، والذي إذا لم يتم تداركه، سيغير في طرائق عيشنا ونمط حياتنا. ويكفي أن نعطي مثالاً على ذلك، صعوبة الحصول على مياه الشرب، أو استحالة الحج الى مكة خلال سنوات معدودات في فصل الصيف إذا ما استمرت درجات الحرارة بالارتفاع، وصح ما يتوقعه علماء من أنها ستفوق قدرة الجسم البشري على احتمالها.

اللافت في المبادرة بحد ذاتها، وفي الكلمات التي أُلقيت والحوارات والنقاشات التي حصلت، كان التركيز على ضرورة التعاون الاقليمي. فكما ورد في كلمة الجامعة العربية، فإن «التحديات إقليمية، وحلها لا يمكن أن يكون محلياً، ويجب العمل على الانتقال من فهم الآثار الناجمة من تغير المناخ على القطاعات الحيوية، الى تنفيذ ما توصلت اليه البحوث المنجزة قبل فوات الأوان. هناك إجراءات يجب أن تنفذها المنطقة بسرعة لأن كلفة التغيير المناخي كبيرة وكبيرة جداً». وتغير المناخ بالنسبة للوكالات الأجنبية الداعمة والمشاركة في المبادرة «لا يعرف حدوداً، ومبادرة التعاون الإقليمي يجب أن تتطور الى فعل ينتفي الفشل من قاموسه». كيف لا، والحياة نفسها على المحك.

نقاش إيجابي يُبنى عليه وعمل يستحق التحية والإجلال؟ بالتأكيد. لكن هل يكفي وحده؟ لا. لماذا؟ لسببين رئيسيين:

الأول، أن الحدود الإيكولوجية للأزمة لا تقف عند الدول العربية، بل تتخطاها إلى تركيا وإيران وما بينهما من مناطق كردية مشغولة بأزماتها الخاصة هذه الأيام. علماً أن معظم مصادر المياه الأساسية هي مشتركة مع خارج حدود الدول العربية، والمخاطر كلها مشتركة أيضاً. وعليه يصبح الحديث عن تعاون وتكامل إقليمي ناقصاً، ما لم يتم الانفتاح على باقي الأضلع في المربع الإقليمي، والتوافق معها على ضرورة البحث عن حلول مشتركة قبل أن يفوت الأوان. علّها تكون فرصة تفتح كوة في جدار الصراعات التاريخية والحديثة، وتسمح بنقلة نوعية نحو البحث عن حلول مستدامة على كل الصعد. 

الثاني، أن يصل الباحثون والخبراء الى استنتاجات ونتائج علمية، شيء، وأن تتحول توصياتهم إلى سياسات قابلة للتنفيذ شيء آخر. وهنا التحدي الأكبر، الذي يبقى ماثلاً أمام صنّاع القرار علّهم يتلمسون طريق الحق، ويعطون الأولوية لحياتنا كبشر على هذا الكوكب، وحياة الكوكب بحد ذاته كما عرفناها على مدى آلاف السنين.

لكن الأهم من هذا وذاك، هو أن نتمكن نحن، كأفراد، من الانتصار على جهلنا. علّنا نربح معركة وعي عبر محاولة وصل ما انقطع مع طبيعة هي في أساس الحياة وعلة الوجود. البداية قد تكون عبر إعادة النظر بعلاقتنا بمن حولنا وما حولنا، فلربما نكتشف أن الآخر ما هو إلا نحن بثوب مختلف، وهو مثلنا يستحق فرصة لاستمرار الحياة.

رابط المقال كما نشر في صحيفة المستقبل تاريخ ٦ تشرين الاول ٢٠١٧:

http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=750863

الاتفاق النووي الإيراني وعاصفة ترامب

انسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، أم لا انسحاب. مصادقة عليه، أم لا مصادقة؟ أتكمن المشكلة في آلية تنفيذ طهران بنود الاتفاق أو في عدم احترامها لروحيته؟ لُبّ الإشكالية اتفاق نووي أم سلوك النظام بحد ذاته في ملفات أخرى؟ كلها تساؤلات تملأ فضاء ما قال الرئيس الأميركي إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. والعاصفة منتظرة قريباً فما هي السيناريوات المتوقعة؟

قبل الدخول في تلك السناريوات، مرور سريع على بعض المواقف من الاتفاق نفسه، وهو كان منذ حملة ترامب الانتخابية موضع نقد مستمر، ووصل الأمر حد وصفه على لسان الرئيس أمام الأمم المتحدة بالمخجل، وبأنه واحد من أسوأ الاتفاقات التي عقدتها الولايات المتحدة. يرى معارضو الاتفاق، أن المشكلة الأساسية تكمن في السقف الزمني الموضوع له، فالعيب برأي وزير الخارجية يكمن في الروزنامة. وللتوضيح، فإن الاتفاق يحوي أحكاماً تحدد وقتاً لرفع القيود المفروضة على برنامج إيران النووي، يرى فيها بعض النقاد طريقاً لحيازة طهران السلاح النووي في نهاية المطاف. وهو أمر يُشكل مصدر قلق عبّر عنه بنيامين نتنياهو أيضاً في أكثر من مناسبة.

على هذه النقطة يعلّق المدافعون عن الاتفاق في أميركا بالقول إن السقف الزمني وما بعده محكوم بالمراقبة الدولية للبرنامج النووي، فالعمل فيه يجري تحت أعين المجتمع الدولي، والاتفاق يُلزم طهران إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنيّتها إنشاء أي منشأة نووية، حتى بعد انتهاء المُهل. وقد شبّه أحد كتّاب «الفورين أفيرز» أي انسحاب أميركي من الاتفاق بسبب السقف الزمني، بمن يُقدم على الانتحار خوفاً من الموت.

هل اتخذت الإدارة الأميركية قرارها ولم يبق سوى الإعلان عنه بعد أيام قليلة أو ساعات؟ أم أن الأمر لم يُحسم بعد رغم بعض الإيحاءات بحتمية الانسحاب؟ المرجح في هذا الإطار هو ما أشارت إليه صحيفة النيويورك تايمز من أن ترامب لن يصدّق على الاتفاق النووي في الخامس عشر من الشهر الجاري، لكنه في الوقت نفسه لن يلغيه. 

المخرج الذي يتم العمل عليه هو في وضع استراتيجية أميركية أوسع إزاء إيران، تحفظ للرئيس ماء الوجه عند اضطراره كل ثلاثة أشهر مراجعة اتفاق ما انفك ينتقده ويعارضه. ويُقال إن هذه الاستراتيجية قد تصل حد اتخاذ إجراءات تفتح باب المواجهة مع إيران وأذرعتها. انطلاقاً من نظرية لخصها أحد المسؤولين في الخارجية بالقول: «كان من المتوقع من الاتفاق أن يساهم في الأمن والسلام، لكن النظام الإيراني يقوّض الاثنين». وفي هذا الإطار، توقعت صحيفة التايمز مواجهة مقبلة مع إيران بعد أن «عزز الاتفاق نشاطاتها العدائية عوض أن يجعل منها قوة سلام في العالم». ورأى المقال أن المطلوب هو ضرب الاتفاق من دون القضاء عليه كلياً.

هل هذا ممكن؟ 

رغم كل الدخان الذي يملأ الأجواء ويتحدث عن سلبيات الاتفاق، أعلن وزير الدفاع الاميركي قبل أيام أمام الكونغرس أنه يبقى في صالح الأمن القومي الأميركي. ومن المعروف أنه في حال عدم المصادقة على الاتفاق، يبقى أمام الكونغرس ستون يوماً لإعادة فرض العقوبات، ما يفتح هامشاً لحرية الحركة، ليس فقط في الداخل الأميركي، بل أيضاً بين الدول الست الكبرى المشاركة بالاتفاق، وأبرزها الشريك الأوروبي لأميركا. 

الدول الأوروبية كانت وُصفت بالرابح الأكبر من وراء الاتفاق النووي مع إيران على الصعيد الاقتصادي أولاً، وعلى مستوى التعاون في ملف الأمن الإقليمي ثانياً. وقد صدرت تصريحات من دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تركز على ضرورة الحفاظ على الاتفاق، والدفع به نحو مزيد من التعاون والحوار، فهل تستمر في العمل على تحقيق ذلك بمعزل عن أي انسحاب أميركي محتمل؟ وحينها كيف سيتم التوفيق بين ذلك وعدم المساس بالعلاقة مع أميركا؟ من هنا يرتفع سقف التوقعات بأن تلعب تلك الدول دوراً بمحاولة التأثير على قرارات الإدارة الإميركية من جهة، وبالعمل على احتمال تعديل بعض بنود الاتفاق من جهة أخرى. وقد يساعد على ذلك، التمسك الإيراني بالاتفاق الذي شكل متنفساً لاقتصاد قد تصل صادراته من المواد غير النفطية هذا العام إلى ثمانية وستين مليار دولار، في الوقت الذي يفخر فيه الرئيس الإيراني بتراجع نسب البطالة بين الشباب الإيراني. 

ايران كانت تمسكت في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول بالاتفاق، وقالت إنها ستلتزم به ولو انسحب الأميركيون إذا ما استمرت الأطراف الدولية الأخرى به. ومواقف الصين وروسيا معروفة في هذا الإطار، وهي التي لم تقطع خيوطها أصلاً مع طهران، وقد أعلن الرئيس بوتين مؤخراً الحرص على دعم الاتفاق. ومع أن العين على بريطانيا لمعرفة إذا ما كانت ستحذو حذو الولايات المتحدة في أي قرار تتخذه، فإن للدول الأوروبية مصلحة في أن يبقى الاتفاق النووي حياً يركل. ومن هنا يصبح التخوف بحسب مراقبين أن يُخرج أي انسحاب أميركي الولايات المتحدة نفسها من المعادلة، ويضعها في زاوية الطرف الذي لم يفِ بالتزاماته، ما ينعكس سلباً على صورتها وهيبتها العالمية. 

أخيراً، هل تملك الإدارة الأميركية بديلاً للتعامل مع الملف النووي؟ بعض المحللين يقترحون حلولاً مثل تشجيع اتفاقيات مشتركة بين إيران ودول أخرى بشكل يضمن بقاء برنامج إيران النووي في الإطار السلمي. وهنا يصبح التعامل معها شبيه بالتعامل مع دول أخرى امتلكت تلك التقنيات مثل اليابان. لكن الأمر يتعقد عند النظر الى ما هو أبعد من الاتفاق النووي، وعند التفكير بأن وراء الأكمة ما وراءها، وبأن التصويب على البرنامج النووي، فيما العين على النظام نفسه.

رابط المقال كما نُشر أولا على صحيفة المستقبل:

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=751057