لبنان أولا”: حيٌ ويركل؟”

بلد يفتخر بانه صدّر الحرف والنور الى العالم، رغم أن الشمس نفسها كانت، وما تزال، تتأخر بالشروق عليه كل صباح. تغيّرت حدوده وأدواره كثيرا على مرّ الأزمنة، وعانى من كونه “ممرا استراتيجيا” على أكثر من صعيد..

تاريخه الحديث وسمه بصفة “الوطن الساحة”، حيث اندلعت حروبٌ للآخرين. حروبٌ تأمّن لها وقود كثير، ارتدى ثوب التعاطف والتضحية حيناً، والتعصّب حيناً آخر. اختلف قاطنوه على تحديد هويته، وهربوا نحو مصطلحات ومفاهيم فضفاضة مثل لبنان ذو وجه عربي، وقوة لبنان في ضعفه، مرورا بالديمقراطية التوافقية وصولا الى النأي بالنفس.

مما لا شك فيه أن لبنان بتاريخه وموقعه الجغرافي، لا يملك الا ان يكون امتدادا لمحيطه الاقليمي. امتداد تعود التأثُر أكثر من التأثير، لاسباب لسنا في وارد الغوص فيها هنا. حقيقة طبعت ماضيه، وتظلّل حاضره، وترخي بثقلها على مستقبله. في الوقت الذي يحيط به نزاع مجتمعي طائفي مستعر، يتخوف المحلّلون بان لا يبق ولا يذر، فهل من طوق للنجاة؟

عندما اغتُصبت فلسطين، احتضن لبنان لاجئيها وتعاطف مع قضيتهم. وتحول التعاطف عند البعض(مسلمون بشكل عام) مشاركةً، وصلت حد القيام بعمليات عسكرية مشتركة. ورُفعت شعارات مثل “تحرير فلسطين يمرّ من بيروت” أو حتى من “جونيه”، غمزاً من قناة اعتراض وخشية فريق آخر من اللبنانيين (مسيحيون بشكل عام). النتيجة طبعاً أتت زيادةً في تشرذمٍ موجودٍ أصلا، أدى الى اندلاع أحداث بدأت متقطعةً، وأفضت، كما هو معروف، الى حرب أهلية دامت عشرين عاما “بمباركةٍ ورعايةٍ” اقليمية ودولية.

اليوم يدخل لبنان من جديد في امتحان قد يكون أكثر صعوبة بمكان. النار هذه المرة عربيةٌ-عربية، سوريةٌ-سورية. مرة جديدة تُفتح الحدود أمام لاجئين من “أهل الدار”. أصحاب قضية حقة عادلة، هربوا من نير نظام يراه المتعاطفون معهم من اللبنانيين غاشماً (السُّنة بشكل خاص وجمهور ١٤ آذار بشكل عام). في حين أن فريقا لبنانيا آخر يدافع عنه، ويحارب الى جانبه داخل الأراضي السورية، في سابقة سيقت لها مبرارت مثيرة للجدل (حزب الله بشكل خاص، بتأييد من جمهور ٨ آذار بشكل عام).

منذ بداية الثورة في سوريا شكّل شمال لبنان، وخاصة بلدة عرسال، ملاذاً آمنا للثوار المعادين لنظام الاسد. تم احتضان الجرحى بداية، وتطور الامر الى استيعاب تدريجي للنازحين بين الاهالي، ما لبث ان فاض عن حده. جرى ذلك على وقع تمخضات سياسية واجتماعية واقتصادية صعبة مرّ فيها اللبنانيون. كان الثابت فيها، ترسيخ الانقسام الحاصل بين مؤيدي الثورة من جهة، والنظام الاسدي من جهة أخرى. تمخضات تأثرت بمسار الحرب السورية نفسها، وعكست حالات تطرف ووحشية، لم يكن أفظع منها، سوى الصمت الدولي المريب على حدوثها مع “غض النظر”.

تيار المستقبل، ورغم تميزه باستقطاب شرائح لبنانية متنوعة، شكّل الكتلة “السنية” الأساس الداعمة للثورة منذ بدايتها. ولكنه كان حريصا على تقديم دعمه من منطلق “انساني يرتكز على خيار الدولة”. خيار لم يرق بنظر بعض مناصري الثورة الى مستوى ما يجري على الأرض، ما أضعف حضور التيار وزعيمه في بؤر شكلت بيئة حاضنة للتطرف، بحسب بعض المراقبين. تطرف راهنت على الاستفادة منه جهات أرادت، وتريد، تفجير الوضع في لبنان. والامثلة على ذلك كثيرة، بدأ مما بات يُعرف بمخطط ميشال سماحة، وصولا الى أحداث عرسال الأخيرة، حيث تتقاطع المصالح.

ومع أزمة العسكريين اللبنانيين، ازدادت الأمور حدة، واقترب عود الكبريت من برميل البارود. وكان الخوف، (وما يزال) من أن ينجح المراهنون على بيئة حاضنة ترتدي ثوبا يبدأ بالتعاطف، وينتهي تشرذما وانقساما. في صورة يلتقي فيها تاريخ لبنان المذهبي الاسود الحديث، بصراع عصور الظلام الاسلامية الدامية. وهنا نعيد طرح السؤال: هل من طوق للنجاة؟

بارقة أمل لاحت في البيان الصادر عن رئيس تيار المستقبل، سعد الحريري، مؤخراً. والأهم، في الانضواء السني الضمني تحت سقفه، إن صح التعبير. الحريري وفي معرض انتقاده للشكوى التي تقدم بها الائتلاف الوطني السوري المعارض على الجيش اللبناني أمام مجلس الأمن، تحدث عن معايير يجب أن ترعى العلاقة “بين الاشقاء النازحين من سوريا والفئات التي تعاني ظروف القهر والتهجير والاستبداد، وبين اللبنانيين الذين لم يتأخروا عن نصرة الثورة السورية .. ويؤلمهم أن يجدوا في صفوفها من يمتطي الارهاب لتخريب تلك العلاقة وخطف العسكريين وتهديد السلم الأهلي..”

السلم الاهلي اذا خطٌ أحمر. لبنان ما زال أولاً عند الفئة الاساسية ذات الثقل والامتداد الديمغرافي الداعم للثورة. الاعتدال ما زال حيا، ويركل، في مواجهة تطرف يريد التهام المنطقة كلها. إعتدال تنبهت القوى الدولية الفاعلة على ما يبدو، ولو متأخرة، الى أهميته. ففي تقرير صادر مؤخرا عن “مركز دراسات الحرب الأميركي” توصية بضرورة دعم وتمكين المجتمع السني من بغداد الى دمشق مرورا بتركيا والاردن، في مواجهة الجماعات المتطرفة” وكان ملفتا في التقرير نفسه التركيز على محاولة اقناع السنة بالعودة الى مفهوم الدولة والتمسك به، رغم صعوبة المهمة في سوريا كما يقول.

إذا هذه المرة، بارقة الأمل بالخيار “اللبناني المستقبلي المعتدل”، قد تتحول نافذة إذا ما أخذت القوى الدولية بنصائح التقرير المذكور، واختارت رعاية مفهوم الدولة. ويا ليت يتحول الأمل الى واقع اذا ما أضيف الى هذا التقاطع المحلي- الدولي، عنصر ثالث ذو بعد اقليمي متمثل بحزب الله، علّ وعسى يأخذ قرارا بترجمة كلام أمينه العام، حسن نصرالله، قبل عامين حين قال: “من يريد ان يبني دولة، أول شيء يتعين عليه القيام به هو تعزيز الانتماء الوطني. نحن نريد إقامة دولة حقيقية، لا استئثار فيها ولا حرمان ولا تجويع ولا تهجير للبنانيين. دولة تمنع النزاع المذهبي والطائفي وتمنع التحريض المذهبي والطائفي…”

الكلام بالطبع جميل، لكن التنفيذ هو المطلوب

عام جديد مر على النكبة

عام جديد مر على النكبة. تذكرتك عم “ابو فايز” اليوم. اشتقت اليك، الى ضحكاتك المدوية وكلماتك الصادقة، والى شجرة القرطاسية التي زرعتها في دار “بيتك” في مخيم عين الحلوة. قلت لي وانت تقطف ثمارها يوما، انها تذكرك بمثيلة لها في فلسطين، هناك حيث “الدار”، وأريتني ذاك المفتاح العتيق، مفتاح العودة! كنت صبية جاهلة حينها ولم افهم، حتى شرحت لي     “ناديا”، ابنتك وصديقتي، انك ما زلت تؤمن بالعودة الى”لوبيه

سنوات مرت على رحيلك “حج”. لم اودعك قبل ان ترحل، كنت مشغولة ببناء مستقبل لي في الخارج، مثلي مثل معظم أولادك. ترى من احتفظ بالمفتاح؟ أمرمي هو في دُرج عتيق، مثله مثل “القضية”؟ أمشتاق هو لأنامل تنفض عنه غبار العقود، وتبحث له عن قفل يلاقيه هناك، حيث ما زالت الشمس تشرق كل يوم، فوق تلك الهضاب العطشى لدموع فرح العائدين؟ هل تصحى ضمائر ترث منك العزيمة والايمان، لتبرد قلوبا تشدو مع العندليب “سنرجع يوما الى حينا” ؟

نتنياهو وما بعد بعد غزة

السؤال المطروح بقوة الآن: الى اي مدى سيصل العدوان الاسرائيلي الجديد على غزة وهل سيتوقف عند ابواب القطاع ام يتفجر مواجهة اقليمية تخلط اوراق المنطقة المتبعثرة اصلا في هذه الايام؟

دعونا نبدأ من محاولة فهم الخلفيات والدوافع الكامنة وراء الخطوة الاسرائيلية التصعيدية.

اولا: الهدف المعلن هو الحد من القدرة العسكرية للفصائل الفلسطينية التي تمكنت في السنوات الاخيرة من تعزيز ترسانتها بدعم ايراني ليس خافيا على احد.ولعل اوضح دليل على ذلك صواريخ فجر خمسة التي طالت تل ابيب. الملفت ان الصورايخ سقطت بعد حديث اسرائيلي عن اصابة مراكز ذخيرة ومنصات لاطلاقها، فاذا كان الهدف الاساسي  تعزيز قوة الردع الاسرائيلية واسكات الصواريخ فان الايام الاولى من العملية العسكرية شهدت تسجيل نقاط عسكرية فلسطينية في المرمى الاسرائيلي..

ثانيا: المواجهة مع ايران هي هدف آخر برز بشكل شبه معلن عندما وصفت اسرائيل غزة امس بالجبهة الامامية لايران. ومعروف ان نتنياهو حاول جاهدا اقناع الولايات المتحدة الاميركية بضرورة توجيه ضربة عسكرية الى ايران ولكن الرئيس الاميركي كان له بالمرصاد وبقي مصرا على اعطاء ما اسماه “نافذة من الوقت” للتوصل الى حل ديبلوماسي للمعضلة الايرانية النووية. نتنياهو المحبط من عودة اوباما الى البيت الابيض وبالتالي صعوبة ضرب ايران عسكريا، استعاض على ما يبدو بحرب على ايران عبر غزة

ثالثا: فتح صفحة جديدة مع الادارة الاميركية وعلى رأسها اوباما الذي لم يكن بوسعه الا ان يرفع سماعة الهاتف ليعلن تضامنه مع نتنياهو ومع الشعب الاسرائيلي. وهذا يعزز موقع نتنياهو ويحسن من صورته بعدما قيل انه خسر مع رومني في الانتخابات الرئاسية الاميركية، ولكن الاهم من هذا عودة اسرائيل الى را» سلم اولويات الادارة الاميركية.

رابعا: ما تقدم يحمل في طياته ايضا اهدافا داخلية انتخابية، فضربة من هذا النوع تضمن لنتنياهو شعبية تمكنه من كسب الانتخابات الاسرائيلية المقبلة بعد شهرين جنبا الى جنب مع وزير دفاعه ايهود باراك

خامسا: فلسطينيا يجب عدم اغفال خطوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس التي ينوي من خلالها الحصول على اعتراف اممي بفلسطين كدولة ولو كانت بصفة مراقب، نتنياهو بالتاكيد لم يكن مستعدا للجلوس الى طاولة مفاوضات دعاه اليها عباس فور حصول ذلك. ولكن عباس رأى في العدوان استهدافا لكل الفلسطينيين ودعا الى الوحدة معلنا تمسكه بالخطوة الاممية.

سادسا: توجيه صفعة الى عملية “احتواء حماس” ان صح التعبير اذ كان ملفتا انه على الرغم من ابتعاد حماس عن ايران وعن محور الممانعة، حرص نتنياهو على الانتقام من الصواريخ الايرانية التي اطلقتها الجبهة الشعبية والجهاد الاسلامي حلفاء ايران، عبر بدء عمليته العسكرية باستهداف احد ابرز قادة حماس الذي كان يعمل على التوصل الى هدنة كما قيل.

سابعا: من الصعب اغفال نظرية المؤامرة التي وضعت العدوان الاسرائيلي الحالي في اطار التعمية على ما يحدث في سوريا للاطالة بعمر نظام امّن الهدوء على الجبهة الاسرائيلية على مدى اربعين عاما.خاصة بعد الاعلان عن توحد المعارضة في ائتلاف وبداية الاعتراف الدولي بها.

ثامنا: احراج الجار المصري المحصور بين فكي كماشة العلاقة الايديولجية مع حماس والالتزام الرسمي باتفاقية كامب دايفيد مع اسرائيل، وذلك عبر وضع الالتزام المصري بالاتفاقية على المحك. لكن القاهرة سحبت سفيرها من تل ابيب في خطوة لم تكن لتحصل ايام حكم الرئيس مبارك وقام رئيس وزرائها مع وفد مرافق بزيارة تضامنية الى القطاع ، والاهم من ذلك فتحت معبر رفح واعلنت انه سيبقى كذلك وهذا يضع تحديا على الارض بوجه اي هجوم بري اسرائيل محتمل. وبحسب تقرير لمؤسسة ستارتفور فان القوات البرية الإسرائيلية قد تحتاج الى احتلال الحدود بين مصر وغزة الامر الذي يمكن ان يخلق تصادما مع القوات المصرية. وفوق هذا وذاك قال الرئيس المصري بالفم الملآن إن مصر اليوم مختلفة عن مصر الامس.

ما تقدم فيض من غيض دوافع الهجوم الاسرائيلي على غزة، وقد يكون الخافي اعظم . صحيح ان آلة الحرب الاسرائيلية تحركت بناء على “رؤية” قادتها السياسيين ولكن الصحيح ايضا ان هناك قطبا مخفية كثيرة هذه الايام في منطقة تمر كلها دون استثناءات بمرحلة من اعادة التشكل، وهذه القطب ستلعب دورا مفصليا في خياطة الثوب الذي سترتديه المرحلة المقبلة  .