شرق أوسط يرقص على إيقاع ترامب

مما لا شك فيه أننا نعيش مرحلة انتقالية صعبة. الأسئلة كثيرة والاحتمالات المطروحة على طاولة النقاش مقلقة. وإذا كان هناك شبه إجماع على التخوف من إتجاه الأمور نحو مزيد من التصعيد، يبقى السؤال الى أي مدى؟ وأين؟ وكيف؟  وهل أن المخاوف من وصول النار الى الداخل اللبناني قريبا في محلها؟

المشهد مترابط، يتقاطع فيه المحلي مع الاقليمي والدولي بشكل وثيق، والممسك بخيط اللعبة الأساسي هو الأميركي العائد الى المنطقة بقوة بعد تراجع أتاح للاعب الروسي إمكانية تمكين خيوطه، فيما تجد الأطراف الاقليمية نفسها منخرطة حتى الثمالة في صراع يحدد المصير…

الرابط التالي يأخذكم الى ملف كتبته عن الموضوع وتم نشره في صحيفة المستقبل اللبنانية، آتمنى متابعة تعليقاتكم حوله

http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=737415

باكستان وتحالف السُّنة: هل يبقى الحزم ولو تلاشت العاصفة؟

تتزامن كتابة هذه السطور مع زيارة وفد باكستاني رفيع المستوى الى المملكة العربية السعودية. سبق الوفد، الذي يرأسه وزير الدفاع ومسؤول العلاقات الخارجية، حوالي ثمانمئة من العناصر العسكرية الباكستانية غير القتالية، تنتظر تحديد مهامها. هي طبعا ليست المرة الاولى التي يتواجد فيها عسكريون باكستانيون على الاراضي السعودية، فالتعاون الدفاعي تاريخي ووثيق بين البلدين منذ عقود. لكن الجديد هذه المرة، هو كونها جزء من تحالف “سنّي” عريض، يتفق المراقبون على أن تشكيله أتى لمواجهة النفوذ الايراني”الشيعي” المتزايد.

ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه باكستان في هذا التحالف؟ وما نوع الدعم الذي ستطلبه السعودية منها هذه المرة؟ وهل يصل فعلا الى حد ارسال قوات للمشاركة في عملية “عاصفة الحزم”، كما نقلت رويترز عن مسؤول حكومي وصفته بالكبير؟ الأكيد ان الوفد اجتمع عشية سفره برئيس الوزراء نواز شريف، الذي اكد التزام بلاده “بمساندة السعودية وسلامة أراضيها، وبآداء دور جوهري في وقف تدهور الوضع في الشرق الاوسط”.

وبين شريف والمملكة علاقات خاصة، فقد كانت بيته الثاني عندما تم نفيه عام ١٩٩٩، والى ذلك عزا بعض المحللين “الهبّة” الباكستانية الحالية للوقوف بجانب السعودية. لكن حقيقة الأمر أن ما يجمع البلدين أكبر بكثير من علاقات شخصية، والتقارب الذي يتميز بالعمق، طابعه سياسي وعسكري وإيديولوجي، من دون أن ننسى الناحية المالية.( تعتبر السعودية من أهم ممولي باكستان وبحسب رويترز وصلت قيمة آخر هباتها الى مليار ونصف المليار دولار).

مقابل ذلك، اتسمت العلاقات الباكستانية مع الجارة إيران بالتوتر في كثير من الأحيان. من الصراع على الحدود الى الاتهامات المتبادلة بدعم وتسليح جماعات متطرفة. ( سنية داخل ايران، شيعية وبلوشية داخل باكستان ). وليس خافيا على أحد ان باكستان ضياء الحق، كانت لاعبا قويا على الساحة الأفغانية، ومدّت نظام طالبان بالدعم. إلا أن سقوط نظام طالبان (السنّي) في أفغانستان من ناحية، وسقوط نظام صدام حسين (السنّي أيضا) في العراق من ناحية أخرى، خلق فراغا ملأته الجمهورية الاسلامية الايرانية ( الشيعية)، في الحديقة الخلفية لباكستان ( حيث غالبية سنّية وأقلية شيعية).

وفوق هذا وذاك، تقارب أميركي إيراني يلوح في الأفق، مع حديث عن امكانية التوصل الى اتفاق إطار في الملف النووي، يأتي بعد ازدياد في التعاون الايراني مع “الجارة اللدود” الهند. حراك على وقع حروب تخوضها باكستان على “الارهاب” في ساحتها الداخلية. وهناك، تتعالى بعض الأصوات المعارضة للمشاركة الباكستانية في “التحالف السنّي” المستجد، مطالبة بتحييد باكستان عن أي صراع سني-شيعي، قد يعرض أمنها للانفجار. وذلك نظرا لوجود حوالي عشرين بالمئة من الباكستانيين “الشيعة” في نسيج المجتمع.

ولكن النقطة الأخيرة التي أشرنا اليها يمكن أن تشكل هي نفسها أحد أسباب الاندفاعة الباكستانية نحو المشاركة وليس العكس. فإيران التي تتشارك حدودا برية واسعة مع باكستان، تسعى الى توسيع نفوذها الاقليمي. ومزيد من النفوذ قد يُترجم نفسه قدرة أكبر على التأثير في الداخل الباكستاني عبر الأقلية الشيعية الموجودة. أضف الى ذلك أن هناك من يرى في الاصرار الايراني على الحصول على القدرة النووية، محاولة لايجاد توازن ما مع باكستان في الدرجة الأولى. وفي هذا الرأي منطق يفرض نفسه، إذا ما تذكرنا أن إيران الشاه هي من بدأ بالمشروع النووي بهدف الحصول على قنبلة ذرية، وحينها كانت العلاقات الايرانية الاسرائيلية على أفضل حال.

إذا، الجغرافية أولا والايديولوجيا ثانيا، عوامل مهمة لا يمكن اسقاطها من أي محاولة لفهم الأرضية التي تقف عليها باكستان حاليا. وهي عوامل تلتقي فيها مع السعودية وغيرها من الدول السنّية المشاركة في التحالف، وتلك الداعمة له. فعلى الرغم من محاولات ايران السابقة لتقديم نفسها كقوة إقليمية تدعم “حركات مقاومة”، الا ان غرقها في مستنقع مواجهات مذهبية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، رسّخها في أذهان العالم “دولة شيعية”، يرمي دعمها للصراعات الموجودة، حطبا على جمر فتنة نامت قرونا.

من هذه المنطلقات لا يمكن لباكستان الا أن تقف في صفوف التحالف. تحالف يقول: “نحن هنا”، وإذا ما تطور الصراع السنّي الشيعي إلى فتنة شاملة، فإن الديمغرافيا وميزان القوى لن يكون عندها الا لصالح “الأغلبية السنّية” في العالم الإسلامي. هل وصلت الرسالة الى إيران؟ وهل تكون أحد الاسباب التي دفعت بمساعد وزير خارجيتها الى القول، من الكويت، بأن لدى بلاده مقترحا لحل الأزمة في اليمن، وبانها تحاول التواصل مع السعودية من أجل التعاون في هذا الشأن؟ تصريح أتى والوفد الباكستاني لم ينه بعد اجتماعاته في الرياض، واستعراض القوة ما زال في أوله.

ويبقى السؤال، هل سنشهد استمرارية للتحالف السنّي يُبقي الحزم حتى ولو تلاشت العاصفة؟ وهل يخلق ذلك توازنا إقليميا في منطقة فُقد فيها التوازن مؤخرا، وتتآكلها الصراعات والفوضى؟ إنها أحجار شطرنج جيوسياسية تُحركها أطراف إقليمية على غير عادة، لكنها غير بعيدة عن رمقة من تحت قبعة العم سام.

فالولايات المتحدة الأميركية تنوي، بحسب مصادر مطلعة، الاستفادة من الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة ( إذا لم تكن تعمل أصلا على تغذيته). وهي سياسة ليست بجديدة، وقد تنبه لها مبكرا الوزير السابق الدكتور جورج قرم، حين لحظ تركيز المناهج الغربية على صراع الاقليات والمذاهب و الطوائف، بدلا من الاهتمام بالدراسات التي تُعنى بالوحدة والقيم المشتركة.

من هذا المنطلق، عندما يتوحد السُنّة في مواجهة الشيعة، يمكن أن يُنتج ذلك حراكا أو بالاحرى تنافسا تنوي الادارة الاميركية ابقاءه تحت سقف سيطرتها، ولو عن بعد.

كيف سترد ايران على “عاصفة الحزم”؟

كيف سترد ايران على “عاصفة الحزم”؟

بعد أن تُرك “اليمن السعيد” لمآسيه عقودا، ما الذي دفع دولا من مشرق العالم الاسلامي حتى مغربه، الى تشكيل تحالف إقليمي يشن غارات جوية عسكرية تقلب موازين القوى؟ وهل ستقتصر العملية العسكرية على الضربات الجوية أم أن التدخل البري وارد؟ وبذلك، هل تتحول “الحرب الاقليمية بالواسطة” هناك، الى حرب مباشرة؟

الاجابة على هذه الاسئلة، ليست منوطة فقط بمن قام بالفعل ( التحالف العشري )، بل أيضا برد فعل الجهة التي طالتها الغارات، والاطراف الاقليمية الداعمة لها ( إيران تحديدا)، والدولية التي كانت تحاول امساك العصا من المنتصف لحسابات أخرى (الولايات المتحدة).

الحوثيون قالوا ان السعودية ستدفع الثمن وعليها تحمل العواقب، مستذكرين مواجهات عام ٢٠٠٩. فيما إكتفت إيران، في رد فعلها الأولي، بالتنديد بالضربات، قائلة على لسان خارجيتها انها ستزيد الامور تعقيدا. أما الولايات المتحدة الاميركية، فقد أعطت “مباركتها” للتحالف، وتم تشكيل خلية أزمة مشتركة تؤمن الدعم اللوجستي والاستخباري. وذلك على الرغم من أن الضربة تأتي في وقت تمر به المفاوضات النووية الايرانية في مرحلة حرجة، كثرت فيها التكهنات حول امكانية التوصل الى اتفاق، يُقال إن سيد البيت الابيض يدفع باتجاه اخراجه من عنق الزجاجة.

على الضفة الأخرى، تزامن تلويح الحوثيين بالرد على المملكة، مع انطلاق غواصات باكستانية باتجاه بحر العرب ومضيق هرمز. وذلك على وقع تصريحات لوزارة الدفاع الباكستانية قالت فيها، إن أي اعتداء على السعودية، هو بمثابة الاعتداء على باكستان. وفي موازاة ذلك، كانت السفن الحربية المصرية بدورها، تقطع قناة السويس، متجهة الى خليج عدن. بعد أن أبدت مصر استعدادها لارسال قوات برية اذا تطلب الامر.

تفاعلات الضربات الجوية اذا بدأت، وبقوة، منذ اليوم الأول. من التدخل الباكستاني والمصري المباشر، الى المواقف العلنية الداعمة لعملية “عاصفة الحزم”. وقد يكون أبرزها الموقف التركي المؤيد للعملية، والذي طالب الحوثيين ومن أسماهم ب”داعميهم الأجانب” بالكف عن التصرفات التي تهدد الامن والسلام في المنطقة، بحسب بيان صدر عن الخارجية التركية، أعلنت فيه أن الرياض أطلعت أنقرة مسبقا على الأمر.

هذه المواقف الآنفة الذكر، تشكل على الارجح رسالة قوية اللهجة، إن لم نقل إنذارا، الى إيران للدفع باتجاه العودة الى طاولة الحوار. فكيف ستقرأ طهران الرسالة؟ وهل يعود الحوثيون وحلفاؤهم، بعد أن انقلبت موازين القوى على الأرض لغير صالحهم، إلى طاولة حوار رفضوها عندما كانوا في موقع أقوى؟

الاجابة على هذا السؤال في باطن الأيام المقبلة. ومعها تتحدد ملامح المرحلة: إما العودة الى “حرب الواسطة” التي أشرنا اليها بداية، أو التحول الى حرب إقليمية مباشرة قد تشعل المنطقة كلها. ما ليس بالامكان العودة اليه على ما يبدو، هو “ترك الحبل على غاربه” أمام تمدد النفوذ الايراني. نفوذ قد تكون الولايات المتحدة الاميركية قد غضت الطرف عنه لحساباتها الخاصة، إلا أنه أزعج الدول الإقليمية ( وعلى رأسها المملكة العربية السعودية). ما “أخرجها عن طورها” ودفع بها الى تشكيل “تحالف سُنّي دولي”، يقف بمواجهة نفوذ “هلال شيعي” حذر منه ملك الاردن قبل عقد من الزمن.

إذا، القصة تبدأ من اليمن وواقعه المثخن بالجراح، وقد لا تنتهي الا بالتوافق على تقاسم نفوذ في منطقة الشرق الأوسط. منطقة أعلنت أميركا صراحة عن نيتها الانسحاب جزئيا منها جراء استدارتها الباسيفيكية المزمعة، ما أسال لعاب بعض القوى الاقليمية، والكثير من الدماء.