قرابين الثورة

“دير بعلبة” قرية ضربت جذورها تاريخ سوريا القديم، حين كانت معبدا لاله المطر والخير،(بحسب تسميتها) والحديث، عندما علت حناجر ابناؤها نصرة لاطفال درعا في بداية الثورة السورية
همّشها الحكم الأسدي سياسيا واقتصاديا، وتذكرها في الثمانينات حين طالها جزء مما طال حماة. ودفعها اليوم الى واجهة الأحداث، بعدما رمى عشرات من ابنائها، اطفالا ونساء ورجالا، جثثا محروقة في مقابر جماعية!
الأخبار الواردة من هناك تتحدث عن حرقهم وهم احياء، وأخرى تشير الى اعدام الرجال رصاصا في الساحات، واحراق النساء والأطفال داخل البيوت. والى ان تتأكد الحكاية التي تروي مأساتهم قبل الرحيل، يبقى السؤال: كم من ضحية ستقدم على  !!قرابين الثورة قبل ان يقول التاريخ كفى

الخبز المغمس بالدم على مائدة التسويات

خبر مفرح تداوله ابناء حلفايا، قرب حماة، عشية عيد الميلاد. فشحنة من الطحين وصلت من تركيا بعد طول انقطاع. انتشر الخبر بين ابناء المنطقة، الذين تدافعوا منذ الظهر الى أحد المخابز، واصطفوا امام شباكه. مشهد نستطيع في لبنان ان نتخيله جيدا، فقد عشناه اكثر من مرة، وقد قُصفنا على عتبات انتظار الخبز، أكثر من مرة ايضا! ما لم نتخيله في حينه، ان تقصف الطائرات الحربية السورية من الجو، ابناء الشعب السوري، وهم يحلمون بالحصول على لقمة خبز يسدون فيها رمق اطفالهم. ولكن ما هو اكثر بشاعة من الخيال، حصل فعلا،وامتزج اللحم الحي للعشرات من المدنيين، مشكلا صرخة مدوية بوجه المطالبين بحفظ ماء الوجه لرئيس وصم بالارهاب كل من قال له لا، وأعطى الضوء الاخضر لارتكاب المجزرة تلو الأخرى، والعالم يحصي الضحايا وينتظر التسويات . فالى متى ؟

أي مصر نريد؟

بعد طول شد وجذب، جرت المرحلة الاولى من الاستفتاء على مسودة الدستور المصري في عشر محافظات. وقد صوت عليها حوالي ٣٢٪ فقط من المسجلين في اللوائح. هذا يعني ان ٦٨٪ من المصريين في المحافظات العشر، اختاروا الا يعطوا رأيهم في دستور البلاد. لماذا؟ لا إجابة علمية محددة، ولكن نسبة الأصوات التي تقاربت بين النعم واللا (٥٧٪ للأولى و٤٣٪ للثانية) قد تدفع الناس الى الإقبال على المرحلة الثانية.

ملاحظات عديدة يمكن ان تسجل على الجولة الاولى، دون الدخول في اتهامات المعارضة بالتزوير:

– الاستفتاء تم على عجل فغاب عنه المراقبون الدوليون مثل مؤسسة جيمي كارتر وغيرها.

– مقاطعة كثير من القضاة أثرت لوجستيا على عملية التصويت. وقد رفض بعض الذين اشرفوا على الاستفتاء إظهار بطاقاتهم امام مراقبي المجتمع المدني، ما اثار العديد من التساؤلات. اضافة الى شكوك اثيرت حول تعاطف القضاة الذين شاركوا مع الرئيس مرسي.

– القاهرة والإسكندرية، اكبر مدن مصر، قالتا لا لمسودة الدستور.

– بعض الذين استطلعت آراؤهم قالوا انهم صوتوا بنعم ليس اقتناعا بما ورد في المسودة، بل من اجل الاستقرار. وبهدف الانتهاء من المرحلة الانتقالية.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن للاستفتاء، بغض النظر عن نتيجته، ان يدفع بالعملية السياسية قدما نحو الاستقرار، كما أمل بعض المصوتين؟

ناثان براون استاذ العلوم السياسية والكاتب المهتم بالشأن المصري، كان اشار في مقالة له قبل اسبوع الى نقاط ايجابية في مسودة الدستور، دون ان يعني ذلك اغفال العديد من الامور التي وصفها بالمقلقة. براون تحدث في مقاله عن مهمتين مفترضتين للدستور: الاولى العمل على اعادة بناء الثقة من خلال عملية تستوعب الجميع. والثانية وضع اطار سياسي مقبول على نطاق واسع. وقد حكم بالفشل على المسودة في تحقيق المهمة الاولى وشكك بقدرتها على الثانية.

اذا ما عدنا الى نتائج الجولة الاولى غير الرسمية للاستفتاء على الدستور، نجد انها عمقت الانقسام والاستقطاب بين المصريين. فبعدما كانت أوساط الرئيس مرسي والإخوان المسلمين تتحدث بثقة عن ان اغلبية الشعب المصري مع المسودة، أثبتت النتائج الأولية “اننا نصف المصريين، وهذا ما كنا نقوله من البداية” والكلام لخالد داوود من جبهة الإنقاذ المعارضة.

هذا فيما يتعلق بنسبة التصويت. اما ان تقول محافظات القاهرة والإسكندرية لا، فهذا يؤشر الى ان المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، حتى لو مر الدستور بأغلبية قانونية. فالحراك منذ الثورة، ثم الثورة على نتائج الثورة، تركز في هاتين المدينتين. ومن المتوقع ان يستمر.

فشل الاستفتاء اذا حتى الساعة في انتاج توافق على المرحلة الانتقالية الحرجة التي تعيشها البلاد. وبدل ذلك، أفرز حالة من الاستقطاب غير مسبوقة، يرجح ان تستمر في المستقبل القريب.

سألني شاب مصري: كيف مر لبنان بهذه المراحل، وهل كانت بهذا السوء؟

الاجابة كانت انه عندما اختلفنا على “اي لبنان نريد” دخلنا في حرب أهلية مذهبية مقيتة، لكن الظروف في مصر مختلفة، وهي افضل.

لا ادري ان كانت الملاحظة الاخيرة واقعية، ام تفكير رغائبي. لكن من الواضح ان المصريين مختلفون على أي مصر يريدون. والإجابة  هناك ستحدد وجه مصر المستقبل، ان لم يكن وجه المنطقة.

اخوان مصر: عزلة رغم السلطة؟

الاحداث المتسارعة في الايام الاخيرة على الساحة المصرية، تدفعنا الى التساؤل عن مسار حركة الاخوان المسلمين .فالحركة  تحكم مصر من خلال اول رئيس منتخب بعد حوالي ثمانين عاما في عزلة فُرضت عليها، ولكنه لم تحل دون قيامها  محاولات عدة للدخول في صلب معترك العمل السياسي، على رغم الحظر القانوني والملاحقة الأمنية. .

المشاركة لا المغالبة شعار رفعه الإخوان، وعكس برأي محللين مرونة ميزت تعاملهم مع البيئة التي يعملون بها، مقارنة مع تيارات سلفية أخرى ترتكز ايديولوجيتها على تكفير الآخر ومحاولة الغائه. وهذا ربما احد الأسباب التي دفعت بعض المصريين الى تفضيل رئيس “اخواني” مثل محمد مرسي على احمد شفيق “الفلول” بحسب الوصف الدارج في بلاد النيل.حتى ان بعضا من شباب الثورة في مصر كان يقول فترة الانتخابات الرئاسية: اذا فاز الاخوان نثور عليهم لاحقا، المهم الآن ان نتخلص من حكم العسكر.

هذه الأجواء لم تكن غائبة بالتأكيد عن أوساط الاخوان، الذين تمكنوا من الحصول على اغلبية في الانتخابات البرلمانية اولا، ونجحوا ثانيا في إيصال محمد مرسي الى سدة الرئاسة . حتى ولو كان ذلك في الجولة الثانية وبأغلبية بسيطة، الا ان ذلك لا ينتقص من شرعية الرئيس المنتخب في شيء. وصل الإخوان الى الحكم. وكان من حقهم ان يحكموا بالطريقة التي يرونها مناسبة، وان يضعوا برنامجا سياسيا يطرح حلولا للتحديات الخارجية وللازمات الداخلية التي تمر بها البلاد، من الزاوية التي يرونها مناسبة.

خارجيا نجح مرسي في أكثر من مناسبة لسنا هنا في وارد مناقشتها. ابرزها حضوره في قمة دول عدم الانحياز، وآخرها في دور الوساطة الذي قام به خلال العدوان الأخير على غزة. ولكن في الداخل، سقط شعار “المشاركة لا المغالبة” ،وكان ذلك في غير صالح الإخوان بشكل خاص، والمصريين بشكل عام. كيف ذلك؟

واجه الرئيس في تعامله مع الملفات الداخلية معوقات وعراقيل . فهو على رغم “شهر العسل غير المعلن” مع العسكرالذي عاد الى ثكناته، ظل عمله مقيدا باطر دستورية من النظام السابق ، وبرقابة شبابية عينها على منجزات الثورة. الامر الذي دفعه الى اللجوء الى “الاعلان الدستوري” الشهير، الذي اعطاه في مادته السادسة صلاحيات مطلقة، دفعت منتقديه الى وصفه بفرعون مصر الجديد. علت الاصوات المنتقدة الرافضة، وأبرزها القضاء، وتلا ذلك انسحابات من اللجنة التأسيسية للدستور. ولكن الرد اتى في رفع سقف المواجهة عبر إقرارمسودة دستور للامة على عجل، بعيدا عن أي إجماع من البديهي تواجده عند صياغة الدساتير.

النتيجة طبعا، جن جنون شباب الثورة على ثورتهم الوليدة التي لما تزل في المهد، وعادوا الى الميادين والساحات رافعين الصوت. وبدل ان يعمد الاخوان المسلمون، من خلال الرئيس مرسي، الى إعادة النظر بما جرى ومد اليد الى مختلف أطياف المجتمع المصري، تحولت الامور بالنسبة اليهم الى مسألة وجودية. ذلك ان قرارهم بالمواجهة كان واضحا على قاعدة نكون او لا نكون، وتجلى باعلانهم التعبئة العامة، والدفع بشبابهم المنظم الى الاعتصام والتظاهر في الساحة نفسها التي احتلها المعارضون، من اجل الحفاظ على المكتسبات..

المبتديء في السياسة والتحليل توقع حينها تطور الأمور الى اشتباكات. اشتباكات جرت بالفعل، وتحولت مع الاسف الى مواجهات. سقط ضحية الصدامات قتلى وجرحى سارع الجانبان الى القول انهم ينتمون لصفوفهما، وامتلأت صفحات الفيس بوك وتويتر بالصور وردات الفعل الغاضبة.

في خضم كل ذلك انتظر المصريون، وانتظرنا، كلمة للرئيس محمد مرسي. وبعد ان طال الانتظار ساعات، أطل علينا الرئيس المصري متمسكا بالنقاط محور الخلاف (الاستفتاء على الدستور في موعده والاعلان الدستوري، رغم اشارته الى عدم تمسكه بالمادة السادسة اذا تم التوافق على ذلك). ولكن ربما كان ما يلفت الانتباه أكثر من ذلك، الطريقة التي خاطب بها الرئيس الشعب ، وتأكيده على ان الأقلية يجب ان تخضع للأكثرية. صحيح ان في صالح الرؤوساء عادة ان يُظهروا الحزم والعزم وعدم التراجع،ولكن..

بعدما وصلت الامور الى ما وصلت اليه، ربما كان بالامكان نزع فتيل الأزمة لو ان الرئيس المصري اختار ان يوجه كلمته للمصريين، كل المصريين. ولو انه أكد بالقول والفعل خطابه قبل أشهر بأنه رئيس لكل أطياف الشعب المصري، يأخذ النصح من الجميع ، وليس رئيسا يدفع تمسكه بقراراته حتى مستشاريه الى الاستقالة بعيدا عنه. صحيح انه القى باللوم على “طرف ثالث” قال انه اصبح معلوما بالنسبة اليه، وسوف تتم محاسبته، ولكنه لم يحدد هويه ذلك الطرف، ولا الطريقة التي ادت الى كشفه في غضون ساعات. علما ان المصريين يبحثون عنه(الطرف الثالث المسؤول دائما عن التجاوزات)  منذ بدايات الثورة.

أثبت الإخوان المسلمون في طريقة تعاطيهم مع الازمة الاخيرة في مصر، انهم اختاروا سلوك طريق التحالف مع القوى السلفية بعيدا عن التيارات الليبرالية والعلمانية. ظنا منهم ربما ان ذلك سيوفر لهم الاغلبية على المديين القريب والمتوسط، ما سيضمن بقاءهم في السلطة. ولكن السؤال المطروح: هل سيبقى “العسكر” في ثكناته متفرجا؟ خاصة اذا ما تحول الكارت الاحمر، الذي لوحت به المعارضة، دما قانيا يسقي تراب مصر. خاصة ان مسودة الدستور تعزز دور الجبش والمخابرات الى درجة تفوق عليه ما كانت ايام الرئيس مبارك..

واخيرا نتساءل: هل سيكون الامر بأفضل أحواله بالنسبة للإخوان “عزلة ولو في السلطة” ؟