بلاد “رع” في كسوف؟

تروي الاسطورة ان “رع” اله الشمس كان يستيقظ باكرا فيبزغ الفجر على الوجود. ثم يحضر نفسه بمساعدة الآلهة لمشوار في مركبته الملكية التي تبحر في السماء نهارا، وتتركها للقمر مساء، حين تبدأ رحلة في العالم السفلي لا تخلو من مخاطر، يواجه خلالها “رع” الافعى “افريس”. غالبا ما كان ينتصر لتسطع الشمس في اليوم التالي، ولكن “افريس” كانت تتمكن منه ايام العاصفة والكسوف

رع طبعا من اشهر الآلهة عند المصريين القدماء، وصراعه في الاسطورة مع الافعى يرمز، من بين ما يرمز، الى الكفاح ضد الفوضى. وعلى ما يبدو، فان الفجر الذي بزغ قبل سنتين في ارض الفراعنة ثورةً حركت ركود سنين، يواجه حاليا فوضى وصلت حد عنفٍ اودى بحياة العشرات. عنف حذرت جهات دولية عدة، ابرزها واشنطن، من تفاقمه بما لا تحمد عقباه

آخر الانتقادات اتت من مفوضة الامم المتحدة لحقوق الانسان، نافي بيلاي، التي حذرت من انتشار العنف. ودعت جميع الاطراف الى حوار جدي، يضع حدا لحالة الاستقطاب الحاصلة. وركزت بالطبع على ضرورة عدم المساس بالحق في حرية التعبير والتجمع السلمي. الرئيس المصري نفسه كان سبقها بالدعوة الى اجراء حوار، سارعت المعارضة الى ربطه بتشكيل “حكومة انقاذ وطني”؛

الملفت في دعوة الرئيس مرسي انها اتت مع اعلانه حال الطواريء في ثلاث محافظات، وتلويحه بالحل الامني. الأمر الذي اعاد الى الأذهان اسلوب النظام السابق في التعاطي مع مثل هذه الاوضاع. والملفت في موقف المعارضة، تركيزها على مطالب تؤمن لها مشاركة في الحكم، بدل العمل على تأمين برنامج يتحلق حوله المصريون، في الوقت الذي شهدت فيه الاحتجاجات تجاوزات امنية عدة وصلت حد الاعتداء على رجال الشرطة

طبعا الموقف الملفت الذي تلا ذلك التصعيد، اتى على لسان “العسكر” ممثلا بوزير الدفاع اللواء عبد الفتاح السيسي. الفريق اول رأى ان مصر على شفير الانهيار نتيجة التصارع بين القوى السياسية، لكنه “طمأن” المصريين بالقول ان الجيش كتلة متماسكة يمكن الاعتماد عليها. هذا الكلام اثار تساؤلا بديهيا عن عودة العسكر الى الواجهة. ودفع بعض المحللين الى التذكير ب”صفقة” كثر الحديث عنها بين جماعة الاخوان المسلمين والجيش، تجلت اكثر ما تجلت من خلال تعزيزٍ لموقع الاخير في الدستور، واعطائه هامشا كبيرا من الاستقلالية

اذا ما انطلقنا من نظرية ان هذه الصفقة تمت فعلا، نتساءل اذا كان الاخوان قد وعوا حينها انه وخلال اسابيع فقط، سيضطرون الى الاعتماد على قوة العسكر من اجل ترسيخ حكمهم؟ علما ان بعض اصحاب نظريات المؤامرة ذهبوا الى حد القول: ان ترك الامور تفلت من عقالها امنيا كان مقصودا، والهدف ان يعود الجيش الى الشارع بطلب من المؤسسات الدستورية في البلاد. مؤسسات فقدت مع الأسف هيبتها لدى بعض الشبان المصريين الذين لم يتوانوا عن مهاجمة مقارها

وبغض النظر عن الاسباب التي ادت الى خروج الجيش من ثكناته مجددا، يبقى التساؤل عن قدرته على الامساك بزمام الامور. خاصة اذا ما استمعنا الى شابة عشرينية تقول: “اذا عاد العسكر الى الحكم سيجدني في الشارع” في مثال واضح على تغيير المزاج المصري لدرجة لم يعد ممكنا معها العودة الى اساليب التخويف القديمة

ما الذي جعل تلك الشابة تقف بمواجهة “رفاق” لها ثاروا على نفس الحكم قبل سنتين فقط؟ ولماذا حلت الخلافات والمواجهات في الساحات بدل الاحتفالات بذكرى الثورة الوليدة؟ اين هي روحية الثورة؟ لماذا استبدلت بعض الساحات شبابا يقوم بحملات تنظيف ويؤمن الحماية للناس، بآخر يرتدي الاقنعة ويلوح بالفوضى؟ من المسؤول عن حالة الانقسام والاستقطاب الحادة التي تعيشها البلاد؟

طبعا كل طرف يوجه اصابع الاتهام للآخر، وكل محلل يغني على ليلاه. فواحد يتهم الرئيس، والاخوان من ورائه، بالعمل على الاستئثار بالسلطة، ويقدم ادلة على ذلك ( ابرزها الاعلان الدستوري) معللا ذلك بالجوع العتيق لدى الحركة للحكم. وآخر يقول ان المعارضة من مخلفات نظام الرئيس مبارك، كل همها ان تسقط الرئيس، وان تتمكن من الوصول الى “الكراسي” دون ان تعطي الاخوان فرصة للحكم

لسنا هنا في وارد الدخول في هذا السجال، لكن لا يخفى على احد ان حكام اليوم وكثيرا من معارضيهم، التقوا قبل الثورة على عدم الرضا عن النظام القديم، وعملوا سويا على ازاحته دون ان يتطور الامر الى نظرة مشتركة لمستقبل البلاد، او على الاقل توافق بالحد الادنى على طريقة عيش او تعايش. النتيجة كانت حالة من الانقسام غير مسبوقة، في ظل انعدام ثقة بالرئيس من معارضيه، واتهامه بالفشل في ان يكون رئيسا لجميع المصريين كما سبق ووعد. وردٌ من مناصريه بالقول: اعطوا الرجل فرصة. وبين هؤلاء وأولئك أرباب أسر اكثر ما يعنيهم هذه الايام لقمة خبز يسدون فيها رمق اطفالهم، وفرصة تؤمن عملا لشبابهم، وطبابة لمرضاهم، وعدالة لمظلوميهم

فهل يعود عقال الثورة الى الاسس التي قامت عليها: الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية؟ أم ان المخاض اخذ المنحى الصعب واضحت العواصف هي واقع الحال، واصبح الكسوف متوقعا، قبل ان ينتصر “رع” كعادته على الأفعى، متغلبا على قوى الظلام والفوضى، مفسحا المجال أمام الشمس التي ستستطع لا محالة

تبكي السماء في لبنان

تبكي السماء في لبنان قصور المسؤولين، فلا تجد دموعها مسكنا سوى بيوت الناس وطرقاتهم. أما المسؤولون فقابعون في “قصورهم”، عواصف الشتاء لا تضرب مواقعهم، مشغولون منهمكون بتفصيل قانون انتخابات يضمن عودتهم نهاية الربيع..
ومع استمرار العاصفة، تحية الى العناصر الامنية والعسكرية والصليب الاحمر والدفاع المدني: ليت لكل مسؤول التزامكم بواجبات المواطنة

الأسد ولامبادرته

ما لم تحدث معجزة، فان التوصل الى حل سياسي سريع للازمة السورية أضغاث احلام. هذا ما يمكن ان يفهم من كلام الرئيس السوري الأخير في دار الاوبرا في دمشق. خطاب استمر ساعة من الوقت، عرض فيه الأسد ما سمي بمبادرة للحل. المبادرة تقضي بالتزام الدول الاقليمية والدولية بوقف تمويل وتسليح وايواء المسلحين، بالترافق مع وقف ما اسماها العمليات الارهابية. يلي ذلك ميثاق وطني يتم الاستفتاء عليه، ثم حكومة موسعة، فعفو واعادة إعمار. مراحل انتقالية تحدث عنها الاسد دون اي اشارة الى احتمال تخليه عن السلطة، لا من قريب ولا من بعيد. بل على العكس من ذلك، تضمن خطابه اشارات ضمنية الى نيته الإشراف عليها، مقدماً نفسه “حامي الحمم”. و في خضم كلامه الانشائي عن الحوار، شكا الأسد من غياب شريك يتحاور معه. وأوضح انه لن يتحاور مع الثوار المتواجدين على الأرض، بل انه ذهب الى حد عدم الاعتراف بوجود ثورة في الأصل قائلا: ”يسمونها ثورة وليس لها علاقة بالثورات، إنهم حفنة من المجرمين.. ” قبل ان يقول ان الثورة بحاجة الى مفكرين ومبدعين، مشككا بوجودهم في صفوف معارضة وضع الكثير من رموزها السابقين في غياهب السجون. وتبقى النقطة الأهم التي اختصر فيها واقع الحال عندما قال ”ما بدأناه لن يتوقف” معلنا استمرار الحرب على من اسماهم بالارهابيين. وهنا تأكيد على استمرار خيار الحل الأمني، والرهان على الصمود والبقاء بقوة السلاح. مراهنا بذلك على قوات جيشه النظامي الذي نال حصة كبيرة من المديح في الخطاب، وعلى مناصرين بُحت حناجرهم وهم يصدحون: ”بالدم بالروح نفديك بو حافظ” وهم يتفاخرون بان يكونوا “شبيحته”. مبادرة الأسد، او لامبادرته عمليا، لاقت رفضا من رموز المعارضة، ودفعت بعض الأطراف الدولية الى تجديد الدعوة لتنحيه. ووصل الأمر بوزير الخارجية البريطاني حد وصف الخطاب بالنفاق. وحتى كتابة هذه السطور، لم يكن قد صدر بعد عن المبعوث الاممي والعربي الاخضر الإبراهيمي أي رد فعل. ولكن لنستذكر ما قاله قبل فترة وجيزة: حل سياسي في سوريا او جهنم! على الأرجح “ابواب جهنم” هي التي ستفتح في المرحلة المقبلة فعلا مع الاسف. فقد اغلق خطاب الاسد كل نوافذ الحديث عن تسوية كان يُروج لها مؤخرا. تسوية قرأنا عنها في الصحف وقيل ان توافقا اميركيا روسيا أضحى وارداً على عناوينها. ومن هنا يمكن ان نفهم قول الاسد ربما :”سوريا تقبل النصيحة ولا تقبل الإملااءات.. تقبل المساعدة ولا تقبل الاستبداد”، يمكن ان نفهمه كرسالة الى الروس، نقبل مساعدتكم ولكن لن نرضى أن يكون مفتاح الحل بيدكم. واذا ذهبنا ابعد من ذلك في هذه النظرية، يمكن ان نقول ايضا ان ما طرحه الاسد يتلاقى مع ما طرحته ايران قبل اشهر. فاذا اضفنا وجود فيصل المقداد في طهران عشية الخطاب، يمكن لنا ان نتساءل: هل كانت ايران مغيبة عن التسوية التي كانت تلوح في الافق؟ ام ان الدور الذي رُسم لها لم يناسبها ففضلت الاستمرار في المواجهة؟ على كل بغض النظر عن صحة التأويلات السابقة، فان الدعم الايراني لنظام الاسد ليس خافيا على أحد. وهناك تقارير كثيرة عن حجم المساعدات الايرانية على أكثر من صعيد. دعم يستنزف ايران ماديا بشكل يُرضي الأميركيين في حربهم الاقتصادية عليها. وقد يشكل هذا الأمر احد عوامل عدم الاستعجال الاميركي، ان صح التعبير، في حسم الأزمة السورية. خاصة اذا ما ترافق ايضا مع مزيد من الاحراج في الموقف الروسي. لقد ساد انطباع عند البعض أن الأمور في سوريا عادت الى نقطة الصفر. مخطيء من يعتقد ذلك! فالأمور الآن أكثر حدة. صحيح ان الحل السياسي يشكل دائما خاتمة حتمية للصراعات الأمنية، لكن المحزن ان هذا الحل لم يعد في الأفق حاليا بالنسبة للوضع السوري. فقد تبيّن ان الحديث عن حراك اقليمي -دولي للتوصل الى تسوية، تحوّل الى سراب، حتى الآن على الأقل. والى ان يطغى العطش الى حل، على التعطش لسلطة فقدت شرعيتها بنظر كثيرين في سوريا وخارجها.