سوريا: بانتظار الاتفاق على الكيان الجديد؟

حرب مجنونة تلك التي تدور رحاها في سوريا. صواريخ تسقط على رؤوس المدنيين، اشتباكات يومية ليس من المسموح ان ينتج عنها سوى المزيد من الضحايا والدمار، وجرائم ترتكب بحق الانسانية. كل هذا يجري في القرن الحادي والعشرين، على مرأى ومسمع من العالم كله، عالم تعوّد الوقوف عند حدود الاستنكار معظم الوقت

الائتلاف السوري المعارض اكتشف قبل يومين، على ما يبدو، ان لا “اصدقاء حقيقيين” لسوريا! فقرر تعليق مشاركته في مؤتمر مرتقب تستضيفه روما الشهر المقبل. والأبرز من ذلك، كان رفضه الدعوات لزيارة واشنطن وموسكو، وتحميله في بيان صدر عنه روسيا “مسؤولية خاصة، أخلاقية وسياسية، لكونها ما تزال تدعم النظام بالسلاح”

موقف الائتلاف، الذي يعكس إحباطا من طريقة تعامل المجتمع الدولي، خاصة الأطراف النافذة، مع الأزمة السورية، أعقب مبادرة للحوار اطلقها رئيسه. مبادرة لم تجد آذاناً صاغية عند “رجال النظام الذين لم تتلوث ايديهم بالدماء”، فضاعت فرصة جديدة كان من المأمول ان تحقق انقلابا، بكل ما للكلمة من معنى. ولم ينتج عنها سوى ترحيب عربي ودولي، ودعوة الى زيارة موسكو، بالتزامن مع زيارة يقوم بها وليد المعلم، على رأس وفد، للتفاوض مع معارضين. دعوة رفضها معاذ الخطيب، مطالبا الروس بادانة واضحة للنظام وبمطالبة الأسد بالتنحي

طبعا، لا أحد يتوقع، في هذه المرحلة بالذات، أي دعوة روسية لتنحي الأسد. فالروس، ورغم تصريحاتهم الملتبسة في بعض الأحيان، وقفوا الى جانب النظام منذ بداية الأزمة، وليس خافيا على أحد دعمهم المتواصل له. بدءاً من فيتوهات مجلس الأمن (الى جانب الصين طبعا) مروراً بصفقات الاسلحة، وصولا الى الدعم اللوجستي والسياسي المعلن. كل ذلك، قابلته مواقف غربية مترددة، اكتفت بالادانة والدعم الانساني والتقني، دون ان يصل الأمر الى فرض حظر للطيران، أو دعم بالسلاح أمِل فيه الثوار. حتى ان الدعوة الى التنحي، كانت أتت متأخرة على لسان الرئيس الأميركي باراك اوباما، بالمقارنة مع توقيت الدعوات للتنحي التي أطلقها في مصر وليبيا

ما مرد هذا التردد الغربي؟ وما سر الاكتفاء بدعوات الى الحوار؟ حوار لا معنى حقيقي له ولا جدوى منه، ما دام الاسد مصراً على البقاء في السلطة، وما دام بقاؤه مدعوما من قوى إقليمية ودولية، إيران وروسيا تحديداً

المتحدثة باسم الخارجية الأميركية قالت مؤخرا إن “نظام الرئيس السوري فاقد للشرعية، وهو يبقى في السلطة بقوته الوحشية فقط”. دون أن تعطي أي اشارة الى احتمال تحرك أميركي يناصر ضحايا تلك “الوحشية”. فيما رأت مسؤولة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي، أن سوريا بحاجة الى “عملية سياسية ذات مصداقية” توقف إراقة الدماء. دون ان تحدد ملامح تلك العملية، أو ما يمكن أن يسبغ عليها “المصداقية”

المتابع لمسار الازمة السورية، خاصة منذ تم دفعها من ثورة سلمية الى صراع مسلح، لا يمكنه الا أن يشكك بمصداقية الاطراف الاقليمية والدولية بالتوصل الى حل. وقد قرأنا الكثير عن التشكيك في مهمة كوفي عنان سابقا، ومهمة الاخضر الابراهيمي، الممدة حاليا، والقول بانها تهدف الى كسب الوقت أو تضييعه. لماذا؟

الاجابة الأولية التي تتبادر الى الأذهان: الى أن يتقاسم اللاعبون على ساحة الصراع “كعكة الحل”. ولكن قد يكون الوقت مطلوبا للقيام بتحضير الأرضية السابقة لذلك: إعادة توزيع ديمغرافي على الأرض، يتم بموجبه فرز أطياف المجتمع السوري، بشكل يتيح إعادة رسم “كيان سوري” يشبه الى حد بعيد “الكيان العراقي” الجار. وقد تمت بالفعل عمليات تهجير ممنهجة عبر مجازر تم ارتكابها. ونورد في هذا الاطار ايضا ما أتى على لسان جورج صبرا امس: “النظام لا يقصف في حلب أهدافا عسكرية، إنما يدمر الثقافة والتاريخ ويقتل شعب حلب بهدف تهجير أهل المدن”

ما تقدم لا يعني بالضرورة ان الصورة واضحة في أذهان الأطراف الفاعلة الى درجة الحسم. وأكبر دليل على ذلك، عدم القدرة على حسم الصراع ميدانيا على الأرض، حتى الآن على الأقل. حال المراوحة هذه، التي تسير فيها المفاوضات بخطى السلحفاة، تزيد من المعاناة الإنسانية اليومية، قتلا وتهجيرا وخرابا. معاناة تستدعي وقوف المعارضة السورية بكافة أطيافها وأشكالها، صفاً واحداً في محاولة تعطي العامل الداخلي فعالية في تقرير المصير

عندما تشكل الائتلاف السوري المعارض، أمل الكثيرون أن يليه ائتلاف عسكري يشكل نواة لجيش يحمي سوريا في مرحلة انتقالية صعبة، ويشكل ضمانة لها فيما بات يعرف ب”مرحلة ما بعد الأسد”. لكن المجموعات المعارضة المسلحة بقيت على حالها من التشرذم، ووصل الأمر الى حد المواجهة فيما بينها في بعض الحالات. وقد عزز تجاهل العالم لما يحدث من مجازر، هذا التشرذم، ودفع بعض المعارضين الى أحضان مجموعات “متطرفة” تزداد قوة على الأرض يوماً بعد يوم. الأمر الذي يزيد من مخاوف مواجهات عقائدية، قد تؤدي في حال فلتت من عقالها، الى حروب مذهبية لا تبقي ولا تذر

قد لا يشكل موقف الائتلاف المعارض بتعليق مشاركته في مؤتمر “أصدقاء سوريا”، ورفضه الدعوات لزيارة موسكو وواشنطن، عاملاً ضاغطاً على الغرب. ولكن المأمول أن يُقرّبه من الأطراف المعارضة الفاعلة على الأرض. لعل قراره بتشكيل حكومة مؤقتة، يترافق مع برنامج سياسي واجتماعي ينظم المرحلة الانتقالية، ويحصل على ثقة داخلية وخارجية، تتيح على الأقل تنظيم حياة الناس في “المناطق المحررة”. وحينها قد يمكنه المشاركة في مؤتمرات مقبلة يحمل اليها تصورات واضحة لكيفية المساعدة على الأرض، بما يتيسر

احضان” الفرز المذهبي”

نجحت فئات لبنانية اليوم بما عجز عنه العالم: اختراع آلة تعيد الزمن الى عام ١٨٤٠، ألبسوها ثوبا تشريعيا ، يتلاءم مع شريعة الغاب العبثية، التي تطل حروبا اهلية بين الفينة والأخرى. كانت طائفية وأضحت مذهبية، والأسوأ من ذلك، ان من صادق عليها، أحزاب رفعت يوما شعار “العبور الى الدولة”، فاذا بالمصالح الضيقة تدفعها الى احضان “الفرز المذهبي”.
هل سيمر قانون “اللقاء الارثوذكسي” أم لا في الهيئة العامة؟ هل ستجري انتخابات نيابية في موعدها أم لا؟ هل سيُخرج الرئيس بري من قبعته مشروعا سحريا؟ الله أعلم! الأهم من ذلك، هل سيرضى اللبنانيون الذين تفاخروا بربيعهم المبكر، أن يأخذهم “بعض القادة” الى خريف القرن الماضي وزمهريره؟

الذكرى الثانية لثورة ليبيا

أحيت ليبيا اليوم الذكرى الثانية لثورتها، ثورة انهت اثنين وأربعين عاما من حكم توتاليتاري. عامان عاشت البلاد خلالهما نجاحات عديدة، ابرزها انتخابات شهد العالم بها، واخفاقات تمثلت بالفوضى، وعدم قدرة الحكومة المركزية على تأمين الامن
.والاستقرار والازدهار الاقتصادي المأمول
الملفت ان الاحتفال بالذكرى تحول ظاهرة غير مسبوقة. فبحسب بعض الاصدقاء المتواجدين هناك، بدأت الاحتفالات قبل يومين ولم تتوقف حتى الساعة.المواطنون الليبيون هم الذين أحيوا هذه الاحتفالات، وليس السلطات كما يحدث عادة في أماكن أخرى من العالم. شوارع ليبيا زُينت بسواعد ابنائها، الذين انبروا كذلك للقيام باصلاحات في المرافق العامة والبنى التحتية بمبادرات شخصية، ومن حسابهم الخاص. بالاضافة الى قيامهم بتوزيع الحلويات والعصائر. صدحت الحناجر بالاغاني، ورقصت الاجساد فرحا. وفي “فشلوم” التي حاز شارعها على لقب”الشارع الاجمل زينة” وزعت الذبائح خلال احتفاليات  انضمت اليها وزيرة السياحة امس

هذه الظاهرة توحي بالأمل، وبان ارادة الحياة والعمل على تأمين مستقبل افضل للجميع، هي التي ستنتصر بالنهاية، رغم  المخاضات الصعبة

Libya 17 feblarge-3

الذكرى الثامنة لاستشهاد الحريري: هل تنتصر العزيمة على الإحباط؟

الألم لدى” جمهور ١٤ آذار” ازداد عمقا ولا شك، هذا العام، وهم يحيون ذكرى رحيل رئيس الوزراء رفيق الحريري ورفاقه
 شعار “رحل ليحيا الوطن”، مذبوح بغصة انقسام وانشقاق وخلاف على الهوية.  انقسام وانشقاق وصل صفوف افرقاء قادة”ثورة الأرز” انفسهم. وشعار “لبنان اولا” الذي رفعه “ابن الشهيد”، لم يجد يدا ممدودة تلاقيه، وتعبر من خلاله الى دولة
.مدنية حاضنة للجميع
كشّر “أمراء الطوائف” عن انيابهم، ونهشوا بمباديء ثورة شبابهم، فخرّوا على الدرب واحداً بعد الآخر، كلما اقتضت المصلحة الانتخابية او الشخصية لأحدهم ذلك. اختلفت الدوافع والأسباب والحجج، واستمر النزف. وانكشفت نقاط ضعف “١٤ آذار”، واهمها عدم القدرة على تطوير مشروع سياسي يترجم عمليا على الارض، ويتيح لها الخروج من دائرة “رد الفعل”
.التي غرقت بها
لسنا في وارد الدخول في تحليل الأسباب والعقبات، قد لا يكون اليوم هو الوقت المناسب لذلك، ولكننا نتساءل فقط عما يمكن ان يدور في أذهان الناس الذين تعودوا احياء ذكرى الرحيل. ذكرى أرادوها مناسبة ينتصر فيها حب الوطن والانتماء اليه، على
.المصالح الضيقة. ذكرى حلموا بها رمزا للتضحية من اجل مستقبل افضل لأبنائهم
ترى ماذا سيقول هؤلاء في صلواتهم اليوم؟ هل ستتضاعف الدموع في عيونهم التي ترى واقع الحال؟ هل يستسلمون للإحباط وهم واقفون على عتبة متاهات رسمها “قادة لهم” لا احد يعرف نهايتها وأين تتقاطع مع محيط متفجر؟
ام انهم سيتمسكون بالحلم ويحاولون من جديد، دون تبعية عمياء يحددها المذهب، مسلحون بالقدرة على المراقبة والمحاسبة،
.بهدف إرساء دعائم دولة طال انتظارها
اذا، لن تكتسب المشاركة في الذكرى اليوم قيمتها من مستوى تمثيل حزبي وسياسي، ولا من نسبة مشاركة او من كلمات مكتوبة، بغض النظر عن قيمتها وأهمية كونها نابعة من المجتمع المدني. ولكن تبقى أهميتها في عزيمة تواجه الإحباط،
.وتحاول من جديد بناء وطن “يحلق بجناحيه” كما قال سعد الحريري في مقابلته التلفزيونية الاخيرة