من سيرقص على أنغام كيري؟

هل غير الاميركيون موقفهم مما يجري في سوريا؟ وهل يمكن فعلا وضع آخر مواقف  وزير الخارجية الاميركي، في خانة الاصطفاف الى جانب النظام؟

كيري تحدث عن ضرورة التوافق بين الاسد والمعارضة، استناداً الى اتفاق جنيف لمجموعة العمل حول سوريا في 30 حزيران 2012

وهو كلام تعودنا سماعه في الاشهر الأخيرة من الطرف الروسي. ولكنه يبقى في إطار الكلام الذي لم يقدم أو يؤخر، ومن المستبعد أن يترجم على أرض الواقع، لمجرد انه صدر كذلك عن الأميركيين. لماذا؟

صحيفة الفاينانشال تايمز الأميركية، وصفت في مقالة لها أي كلام عن توافق بين النظام والمعارضة، بغير الواقعي الى درجة خطيرة. واعتبرت انه مستحيل ما دام “آل الاسد في السلطة مع القدرة على قتل عشرات الآلاف من السوريين”. كلام منطقي؟ أجل، ما دامت احداث السنتين الماضيتين التي أسفرت عما يقارب المئة الف قتيل، قد أثبتت ذلك. الصحيفة رأت ان “الاسد يخوض حربا حتى الموت، وان سوريا تدفع الثمن.” وعلى ما يبدو، فإن الثمن يستمر بالارتفاع، وأن معركة دمشق على الابواب.

ما الذي يدفعنا الى هذا الاستنتاج؟

 الحل السياسي الذي طال انتظاره، ما زال يتعثر على جميع المستويات، الداخلية والاقليمية والدولية. فلا المعارضة نجحت في التوحد خلف رؤية جامعة، ولا النظام تخلى عن حله الأمني. بل على العكس من ذلك بدا متمسكا به، متسلحا بالقدرة على امساك الجيش النظامي بقادته العلويين من جهة، وبالتحجج بارتفاع منسوب التطرف من جهة أخرى. أما الاطراف الاقليمية، فبعضها يخوض الحرب الى جانب الأسد، باعتبارها حربا مصيرية لدورها، أو “وجودية” كما وصفها نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. وبعضها الآخر، ورغم دعمه للثوار، يتخبط في تداعيات الأزمة، التي يخشى انتقال حممها الى ملعبه. لذلك، بقيت الأنظار معلقة على اللاعبين الغربيين، علهم يتوصلون الى تسوية حاسمة، تقلب موازين القوى على الأرض، بأقل تقدير

فشل الاميركيون والروس، حتى الآن على الأقل، في التوصل الى تسوية تتيح
لهما “دورا مشتركا” في سوريا ما بعد الأسد. وكثرت التحليلات عن اسباب  الفشل. ولكنها أجمعت، على عدم استعجال الطرفين في التوصل الى حل من هذا النوع، كل لمصلحة خاصة به. ولكن استمرار النزف، مع الدعم الروسي-الايراني للنظام بالسلاح والعتاد، في مقابل “التخلي” الغربي عن الجيش السوري الحر في هذا الإطار، دفع بما  تسمى المجموعات المتطرفة الى الواجهة. واصبحت هذه المجموعات، وابرزها النصرة، مع الأيام لاعبا اساسيا على ساحة الصراع. هذا الأمر، خلق بحسب بعض المحللين، نقطة يلتقي الأميركيون والروس على مواجهتها، والحد من تداعياتها. ومن هنا رأى البعض في كلام وزير الخارجية الاميركي الاخير، تحولا لمصلحة النظام، وانسجاماً اكثر مع وجهة النظرالروسية.

تحليل صحيح؟ ربما، ولكنه غير دقيق. اشارة كيري الى ضرورة التوافق بينأطراف الصراع، تفتح المجال ربما للحديث عن تسوية. ولكن المفاوضات حولها ستجري، أغلب الظن، على وقع صدامات أعنف، ستعمل الأطراف المتفاوضة من خلالها، على تعزيز قدراتها التفاوضية، من خلال تعزيز مواقعها على الأرض. ما يعزز وجهة النظر هذه، شهادة لمدير الاستخبارات الوطنية الاميركية، جيمس كلابر، في مجلس الشيوخ قال فيها:”ان سلطة النظام السوري تتآكل بشكل متسارع، في مقابل تقدم المعارضة.” أضف الى ذلك انضمام فرنسا الى بريطانيافي موقفها الداعي الى رفع الحظر الاوروبي عن الاسلحة الى سوريا، والملوح بتقديم الدعم للثوار بمعزل عن موقف الاتحاد الاوروبي. والأهم من ذلك، رد الفعل الالماني المرحب بمناقشة الموضوع، ما دام يهم “أطرافا أوروبية مهمة” بحسب وزير الخارجية الالماني.

وعلى أي حال لا يبدو ان هناك تناقضا بين الرفض الاميركي لتسليح الثوار، والأصوات الاوروبية الداعية لذلك. فما يراه البعض تناقضا أميركيا-اوروبيا حيال التعامل مع الازمة في سوريا، قد لا يعدو كونه توزيع أدوار. فواشنطن، لا زالت، رغم بعض المطبات، ممسكة بعصا المايسترو الغربي. وحتى العازف الروسي، الذي يحلو له تقديم وصلات منفردة، ما زال يدفع جاهدا باتجاه الانضمام الى السيمفونية العالمية الرائجة. المشكلة، أن ،النغمة الحزينة، قد تطغى على المقطوعة التي يتردد
.صداها في المنطقة  هذه الأيام

متى تستغني المرأة عن يومها العالمي؟

أول ما طالعني صباح يوم الجمعة، الموافق في الثامن من آذار/ مارس، يوم المرأة العالمي، كان مقطع فيديو يقول المتحدث فيه: “ان الديك، ديك، والفرخة فرخة!” ويسهب في شرح وجهة نظره، مضيفا اليها النكات، فيلتهب الحضور تصفيقا ويُغرق في الضحك، وأضحك معه

وتعود بي الذاكرة الى ما قرأته عن معاناة نساء العالم في القرون الوسطى، حين راح الملايين منهن ضحايا باسم “الحكم الالهي” وكان، ويا لمحاسن الصدف، ممثلوه على الأرض رجالا دشّنوا عصور المجتمع الذكوري، الذي ما نزال نعيش تداعياته حتى يومنا هذا

لم أهتم يوما بالحركات النسوية، ولم انضم الى أي منها. ولم تشب علاقتي مع “الذكر” أية علة، أبا كان ام أخا، ثم زميلا وصديقا وزوجا بعد ذلك. ربما يعود الفضل الى الأم والأب، اذ لم أشعر يوما بان الأهل فضّلوا، بالمحبة أو المعاملة، الصبي على البنت. ولكن هذا لا ينفي أن تكون رواسب العصور الماضية عالقة في لاوعيي، كما هي في لاوعينا جميعا، قولا وممارسة. فحتى النساء اللواتي خضن غمار الحياة العملية الى جانب الرجل، أكان ذلك اختياريا أم اضطراريا، كنّ بالاجمال يتحملن أوزار التقسيم الاجتماعي التقليدي للعمل، مضافة اليه مسؤوليات السوق ومتطلباته

رضيت المرأة بان تقوم بوظيفتين متلازمتين، تعطي فيهما أكثر من طاقتها، ولم يرض المجتمع بان يعترف بها شريكا كاملا. تاهت بين التماهي مع دور الرجل، علها تحصل على بعض من مكتسباته، وبين الدور الطبيعي الذي يولد مع صرختها الأولى، ولا يلاقي في كثير من الأحيان التقدير المفترض، فتتحول الصرخة أنينا مكتوما. دفعتها معاناتها الى المطالبة بالمساواة مع الرجل، دون ان تعي انه مسكين أيضا، في مجتمع لم يلتزم قواعد الانسانية

دُعيتُ هذا العام الى عدد من الفعاليات التي أقيمت لمناسبة يوم المرأة العالمي. ما لفتني كان مؤتمر حمل عنوان: “المرأة عنصر فاعل في ترسيخ المسار الديمقراطي”، عقده قطاع المرأة في تيار المستقبل. المتحدثون، وكانوا بمعظمهم رجال، ركّزوا على ضرورة ان تتمتع المرأة بحقها في ممارسة “مواطنيتها” وحينها تصبح العديد من المكتسبات الأخرى، تحصيلا حاصلا. نبرة جديدة سمعتها على لسان جيل جديد، تبشر بمقاربة منطقية لدور المرأة، تحترم امكاناتها، وتتيح لها مشاركة فعلية في مجتمع لا يميز بين ابنائه، ذكورا كانوا أم إناثا

بالطبع الطريق الى مجتمع مدني من النوع السابق ذكره، ليس سهلا، خاصة في بلد قائم على التمييز على مستويات كثيرة. ولكن ان تعي الحركات النسوية أن حقوقها الأساسية لا يمكن ان ترى النور، الا من خلال ثورة مشتركة تعطي   “الرجل_الانسان” حقوقه أيضا، نقطة بالغة الأهمية من شأنها أن تعيد تطورنا كبشر، الى المسار الصحيح

عندما كنت أضحك على مقطع الفيديو الساخر من قضايا حقوق المرأة العصرية، اقتناعا منه أن “الفرخة” لا يمكن أن تصبح ديكا، تذكرت كذلك ضحكات بعض رفاق الصف الثانوي عندما ناقشنا موضوع حرية المرأة. خيالهم المحدود في ذلك الوقت، لم ير في مطلب الحرية أبعد من محاولة “للتساوي والتماهي”، فلم اتمالك نفسي، وسمعت معهم صوتي اليافع يقول:” من قال لكم اننا نريد التماثل معكم؟ المطلوب هو التكامل. وحق المرأة هو في أن تمارس انسانيتها، لا نطلب أكثر، ولا نريد أقل

!! فيا سيدي، من قال لك ان “الفرخة” يهمها ان تكون ديكا، لا حول له ولا قوة، سوى الصياح على بعض المزابل

الأزمة السورية على نار حامية

على ما يبدو، فان الأزمة السورية، التي شهدت في الاشهر الماضية مراوحة رغم دمويتها، وُضعت مؤخرا على نار حامية
لقاءات ومباحثات لوزير الخارجية الأمريكي الجديد مع الأطراف الفاعلة في الأزمة. إعلان عن مساعدة أميركية (دون تسليح) للمعارضة السورية، أعقبته توقعات بقيام بعض الدول الاوروبية بتسليحها(بوادر الدعم العسكري بدأت بالوصول بحسب بعض التقارير). ما يعزز احتمال تصعيد جديد على الأرض، من أجل تعزيز المواقع التفاوضية، اذا ما اخذنا في الحسبان ،ان هذه المساعدات لا تصل الى درجة اعطاء القدرة على الحسم
احتمال آخر: التوصل الى تسوية إذا ما “تخلى” الروس عن الأسد. وفي هذا الاطار ربما قول كيري، ان العمل يجب ان يتركز على دفع النظام السوري نحو خيارات جديدة . فاذا بقي “النظام” (وليس بالضرورة الأسد) يصبح الاتفاق الاميركي-الروسي واردا. ومما يعزز هذا الاحتمال، ما أعلنه المكتب الصحفي للكرملين، عن محادثة هاتفية بين بوتين واوباما، اتفق خلالها    الرئيسان، على تكليف كيري ولافروف بوضع مبادرات جديدة، ممكن ان تؤدي الى “حل سياسي