يوم لبناني طويل

مررت بالشارع نفسه، وفي نفس الوقت. ولكن، كالعادة، لم يكن التكهن بوجود زحمة سير ممكن. “فالعجقة” في
.بيروت لا تتبع قواعد، ولا أوقات ذروة
في خضم الصراع للحفاظ على خط للسير، لفتت نظري إحدى عربات نقل عناصر الجيش اللبناني ( وقد زاد عددها في
شوارع العاصمة هذه الأيام!) بعض العناصر أشعلت سجائر في فمها، فيما البنادق مرتاحة جوارها. أما السائق، فقد كان مشغولا بتجاوز السيارات “المدنية” عن اليمين تارة، واليسار تارة أخرى. ليظهر أمامها بشكل مفاجئ، تجفل له “القلوب الرقيقة في القيادة”. كتمت رغبة في نفسي بمناداته للتساؤل :” خير أن شاءالله، امستعجل للوصول إلى إحدى القرى اللبنانية

“الحدودية التي تتعرض للقصف، من اجل الذود عنها؟

ذهبت العربة في طريقها، وأكملت طريقي فرحة برؤية ضوء إشارة السير وقد تحول إلى اللون الأخضر. لكن الفرحة لم تكتمل، فشرطي السير كان يسمح للسيارات في الجهة المقابلة، أن تسد الطريق. وعلى الرغم من الأبواق، وكثرة “الزمامير”

.المعترضة، انتظرنا تغير لون الإشارة بين احمر واصفر وأخضر مرات ثلاث، قبل النجاح في العبور

وصلت إلى المكان المنشود، وسط العاصمة التجاري الراقي. وفرحت لعثوري على “موقف مقابل بدل” قريب جداً من القهوة التي أقصدها. وبعد أن وضعت البطاقة، ودفعت المبلغ المطلوب، “أبلغتني” الماكينة أن اعترضا ما، حصل للعملية، وعلي
،سحب البطاقة، وإدخالها من جديد! وبعد تكرار الأمر، وبعدما “ابتلعت” الماكينة ضعف المبلغ، دون تزويدي بالوصل اللازم

.اضطررت إلى البحث عن نقود معدنية، أنقذت الموقف

التقيت بالأصدقاء، واستمعت إلى نقاش ثقافي” حامي الوطيس”حول ما يجري في المنطقة. وقد تضمن خلافات حول المصطلحات المستخدمة في توصيف ما مررنا ونمر به، الأمر الذي ينعكس بالتأكيد، على طريقة إدراكنا وتعاملنا مع الماضي والمستقبل. لن ادخل في تفاصيل الجلسة، لكنها كانت استراحة المحارب، التي ما ان انتهت، حتى اضطررت
!إلى العودة إلى خلف المقود
صراخ ترامى إلى أذني ، وبطرف العين، بحثت عن مصدره: مجموعة من شباب “الفاليه باركينغ” يتحلقون حول شاب يحاول الفرار منهم، فيعالجه أحدهم بضربة تلقح به أرضا، فيما تركض إحدى الفتيات لاهثة باتجاهه، وهي تحاول استعادة
،حقيبتها ومحفظتها المسروقة. محظوظة كانت، فقد وجدت من يسمع صراخها ويساعدها. وربما ساعدها في ذلك ان السارق

!على ما يبدو، لم يكن ينتمي إلى إحدى العصابات “المعروفة” التي تسرح وتمرح على ذوقها دون حسيب

Long_Beirut_Day_1
بعد الظهر، تجولت قليلا، مشيا على الأقدام، برفقة الأولاد. الاثنان تعلقا بي كظلي، لم يرض احدهما الابتعاد ولو لامتار: “ماذا لو خطفني أحدهم ماما؟ هل أعطيه رقم هاتفك؟ وهل تملكين مبلغا كافيا يرضى به ليعيدني اليك؟”…وجدت نفسي اجيبه :” أعطيه رقمي ورقم أبيك والعائلة كلها!” قبل ان أمسك يده بقوة، وأعود به إلى “أمان” المنزل وألعاب الفيديو. ولكن ما ان وصلت، حتى اخبرني الناطور ان منزل الجيران، تعرض للسرقة في الليلة السابقة. وان احد الأشخاص في البناية المقابلة تلقى باقة من الورد، مرفق معها بطاقة تهديد بخطف ابنه الشاب من
!الجامعة، ما لم يؤمن مبلغ ثلاثمئة ألف دولار
تزاحمت الأفكار في راسي، وارتايت التوجه إلى الجبل قليلا لزيارة الأهل، والتمتع بالطقس الربيعي، الذي أطل بعد طول انتظار. اضطررت إلى استخدام طريق فرعية ضيقة بديلة، ذلك ان جزءا من الطريق الرئيسية هوى بفعل الأمطار قبل اشهر، ولم تكلف وزارة الأشغال نفسها عناء إصلاحه حتى الآن. ( يتساءل البعض ان كان هناك علاقة لعدم الترميم، بعدم نية الوزير المعني الترشح على الانتخابات النيابية هذه المرة). وفي الطريق الفرعية، كان لي مغامرات أيضاً، لان الشاحنات

.الكبيرة كانت تستخدمها، وهي بالكاد تتسع لسيارة متوسطة الحجم

في طريق العودة ، وحين كان النسيم البارد المنعش يملأ المكان، كانت الشمس تختفي من أمامي رويدا رويدا، فيما القمر يطل برأسه من الجهة المقابلة، في مشهد يخطف الألباب. توقفت هنيهة لالتقاط صورة.. ونفس. وذكّرت نفسي بان غداً
!يوم آخر وقررت الا أشاهد نشرة الأخبار الليلة
Long Beirut Day 2

توافق ومسيرة صامتة

رئيس الحكومة اللبنانية المكلف تمام سلام حصد ١٢٤ صوتا من اصل ١٢٨، توافق لم يتوقعه كثيرون قبل ايام قليلة. وانا اتابع هذا الخبر، وصلني خبر آخر: انطلاق مسيرة صامتة، يتشح المشاركون فيها بالسواد، من مفرق”الشهداء” في بقعاتا_الشوف، حتى المكان الذي سقط فيه “جاد البعيني” قتيلا قبل اسبوع
ملابسات الحادثة لم تتضح رسميا بعد. لكن الواضح الاكيد، هو غياب الدولة والأمن، في ظل انتشار دويلات على مساحة لبنان، ولو اختلفت احجامها واشكالها. دويلات يترأسها “اقطاعيون” من هنا و”وجهاء” من هناك، ويتقاسمها “زعماء مذاهب” تلتف حولهم “قطعان” أو “ابناء ملل ونحل” كما كان يُقال أيام الحكم العثماني
صحيح ان لبنان تخلص من حكم انطاكيا، وتخطى حكم المتصرفية، وصنع استقلالا يحتفل بذكراه كل عام. ولكن الصحيح ايضا، ان ما كان يُعرف ب”سياسة القناصل” عادة ما زالت مستشرية، ولو اختلفت الوجوه والاطراف
التوافق السياسي يأتي بسحر ساحر، والتناحر ينتظر “توجيها” ليُترجم على الأرض. ومع ان هذا الواقع محزن ومؤسف، الا انه هذه الايام يعطي بارقة أمل بان الاجماع على شخصية الرئيس المكلف، يعكس قرارا بالتهدئة محليا، رغم العواصف الاقليمية. وذلك بغض النظر عما يمكن ان يعترض عملية التأليف من عقبات محتملة، استبقها “تمام سلام” بالاعلان عن نيته العمل على تشكيل”حكومة مصلحة وطنية”. توصيف ذكي، يوحي بالقدرة على تدوير الزوايا، بين جهات تطالب بحكومة حيادية مهمتها اجراء الانتخابات، وجهات تصر على حكومة وحدة وطنية
وبين هذا وذاك، والى ان يتضح الخيط الابيض من الاسود، فيما يتعلق بالتطورات الاقليمية وانعكاساتها على الوضع اللبناني، يبقى المواطن اللبناني حائرا بم يمكن ان يفعله لانتزاع حقه في المواطنة والامن والعيش الكريم. يمشي صامتا في حداد على ابناء سقطوا، متفكرا في مستقبل لم ينقشع الدخان عنه بعد، ومخطيء من يعتقد ان الصمت استكانة