“جنيف المؤقت”: هل أضحى المستحيل ممكنا؟

لم يأت الاتفاق الايراني_الغربي المؤقت من فراغ. هناك عوامل عديدة تقاطعت وجعلت ما كان “مستحيلا” قبل أشهر قليلة، “ممكنا” قد يتحول الى توافق دائم في المستقبل

أول ما يتبادر الى الذهن طبعا، العقوبات الدولية التي انهكت ايران دولة وشعبا، ودفعت برأيها العام الى الانقلاب على الواقع والمطالبة بالتغيير، عبر انتخاب روحاني رئيسا. لسنا هنا في وارد العودة الى تحليل ظروف ونتائج الانتخابات الايرانية، ولكن للاشارة الى انه تم التوصل الى الاتفاق المؤقت حول الملف النووي الشائك، قبل مرور مئة يوم فقط على استلام روحاني السلطة، وفي ظل مباركة ملفتة من المرشد، رغم اعتراض صقور المحافظين

في المقابل، شهدت الأشهر الماضية ابتعادا أميركيا معلنا عن الساحة الشرق أوسطية، في إطار ما بات يُعرف باستراتيجية “الاستدارة شرقا نحو الباسفيك”، وتجلت بما وصفه البعض “بالتخلي عن” دعم الديمقراطية، والأسوأ من ذلك “التراجع عن الخطوط الحمر”، ما انعكس سلبا على صورة أميركا كقوة عظمى قائدة للعالم

اذا، العامل الداخلي في كل من إيران وأميركا، لعب دورا محدِّدا في التقارب الأخير، الذي لا يمكن فهمه بمعزل عن الصورة الاقليمية الشاملة. فبغض النظر عما تضمنه الاتفاق من بنود لا يستوعب أدق تفاصيلها الا الخبير في الشؤون النووية، اعلنت كل جهة نفسها “منتصرة”، بحسب الزاوية التي قاربت فيها نصا لم يخل من غموض، وبحسب “الجمهور” أو البيئة المستهدفة “بالتسويق”. فإيران، رغم التنازلات العديدة التي قدمتها، ركزت على أن الغرب اعترف “بعد التضحيات” بحقها في ان تكون دولة نووية، والأميركيون قالوا ان الاتفاق لم يتضمن نصا صريحا بذلك، وشددوا على احتمال التراجع عن كل “العطايا” إذا لم تسر الامور على ما يرام في الاشهر المقبلة. وسُلّطت الأضواء على “حق” كان الغرب اعترف به لايران على أيام الشاه، لا بل ساعدها في حينه على تأسيسه

مصادر اطلعت على سير المفاوضات ذكرت أن الوفد الإيراني أثار الملفات الساخنة في المنطقة، ولم يقتصر حديثه على الملف النووي. فهل يكون الأخير(النووي) قد تحول الى ورقة يلعبها الطرفان، الايراني للحفاظ على نظامه وللحصول على دور إقليمي يتيح له تحقيق  حلم اعادة رسم المنطقة على صورته، والأميركي للحصول على “انجاز” يغطي ويُسهل عملية انسحابه من الشرق الأوسط؟ وماذا عن الأطراف الأخرى التي شاركت في صياغة الاتفاق؟ وهل يصح القول بان الاتفاق كان باكورة عمل منظومة دولية جديدة، ضبطت إيقاعه بعيدا عن سياسة المحاور ؟

من الصعب الجزم بان يكون هناك مخطط واضح بعيد المدى. فالرئيس روحاني نفسه لم يكن يتوقع الفوز بالانتخابات الرئاسية، كما قيل، قبل أيام من حصولها، ومن المستبعد، بحسب مراقبين، أن يملك خطة جاهزة لما بعد العمل على رفع العقوبات وفك العزلة عن إيران. والوجهة التي ستحدد مستقبل إيران ونظامها الحالي، ستعتمد الى حد كبير على نجاح الاتفاق، وكيفية انعكاسه على البنية الاقتصادية_الاجتماعية للشعب الإيراني، وعلى قدرة بعض الأطراف “الفاعلة” على الاستفادة العملية مما ستؤول اليه الامور. وعليه، إذا ما تم فعلا “بناء الثقة” والتوصل الى اتفاق نهائي (ودونه عقبات جمة) يكون ذلك أول الغيث في صيرورة تغيير، قد يكون ما نشهده الآن هو بداياتها، أما النهاية فلا يملك حتى أصحابها القدرة على تحديدها حاليا

 تصبح الأمور أكثر تعقيدا، اذا ما أضفنا ما يوصف بالطموح، أو الحلم، الايراني بالعودة الى زمن الدور الفاعل في بقعة جغرافية كانت تمتد من النيل الى الهند. ورغم استبعاد ان تعود عقارب الساعة الى ذاك الزمن، الا ان التراجع وحالة “الضياع” التي تشهدها الدول العربية، والانكفاء الأميركي عن التدخل في مسار بعض الأمور، وأبرزها الملف السوري، دغدغ على ما يبدو مارد ايران المحبوس في عزلة العقوبات، وأغراه على الخروج منها، في محاولة للاستفادة من لحظة تاريخية يتنافس فيها على النفوذ في المنطقة مع تركيا الجار اللدود، واسرائيل الطفل المدلل للغرب

والسؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن أن تصل دائرة التوافق الأميركي_الايراني، على الملفات الشائكة في المنطقة خلال المرحلة الانتقالية التي حددها الاتفاق. كتب أحد المعلقين الغربيين بان “خيار أوباما السماح للاسد بمقايضة سلاحه الكيميائي مقابل تمديد فترة حكمه على أطلال دمشق، أوحى لايران بانه أكثر ما يهم الادارة الاميركية هو الخروج من الشرق الاوسط”. هذا طبعا يخلق فراغا كبيرا، ويفتح شهية ايران وغيرها من أطراف اقليمية ودولية لمحاولة ملئه. لكنه، وان حدث، لن يحصل بين ليلة وضحاها، بل على العكس من ذلك، قد تتحول اتفاقات مرحلية مثل اتفاق جنيف الأخير، الى رمال متحركة تعيد شد الجميع اليها، الى حين الوصول لأرضية صلبة قد تبدأ بتسوية لا بد منها، ولو بعد حين، للازمة السورية؛ ولا تنتهي الا بحل للصراع العربي_الاسرائيلي

الاتفاق المؤقت ما زال في مرحلة “الحبو”، والمرجح أن تكون أي طريق نحو اتفاق نهائي، مليئة بالمطبات والانعطافات والتحديات، ورهينة بمسار تطور الامورعلى أكثر من ساحة ( سوريا، العراق، لبنان، الخليج…) وفي ظل”البراكين” المتفجرة في المنطقة وحممها ودخانها، من الصعوبة بمكان أن يحسم أي اتفاق وليد الوجهة، الا انه يمكن ان يشكل فعلا، خطوة أولى في مسار قد يعيد تشكيل جغرافية وسياسة أوراسيا كلها