أوباما: عودٌ على ذي بدء؟

“تناقض في أرض متناقضة بظروف متناقضة”. توصيف استخدمه رئيس الولايات المتحدة الاميركية، باراك أوباما، في معرض حديثه عن الاوضاع في سوريا. تناقض ساقه مبررا لقرار بشن ضربات جوية أميركية على داعش، عجز عن شن مثيلات لها على نظام الأسد، حينما كانت عيون العالم شاخصة على رد فعل “المارد الاميركي” على تخطي الخطوط الحمر باستخدام الاسلحة الكيميائية.

حينها كانت الانتخابات الرئاسية حامية الوطيس، ورائحة الورود في حديقة البيت الابيض، طغت عند أوباما، وماكين، على رائحة الموت الرخيص، ما دام الدم سوريا، والريال النازف ايراني. وحينها كانت الاستدارة نحو الباسفيك هي الأساس، وفيها المصلحة القومية الاميركية.

حسابات الحقل على ما يبدو، لم تتناسب وحسابات البيدر. وشبه الفراغ الذي خلفه “الانسحاب الاستراتيجي الاميركي” من المنطقة، ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام حلم إقامة “الدولة الاسلامية”. حلم تحول واقعا بسرعة هشيمٍ رفض الرئيس الاميركي ان يتحمل مسؤوليته. فأوباما ألقى باللائمة على جهاز الاستخبارات الاميركية “السي آي أي” عند اشارته الى سوء تقدير قدرات داعش في سوريا والعراق، ممثلا برئيس هذا الجهاز. علما أنه في يناير الماضي، وخلال احدى جلسات الاستماع أمام الكونغرس، تحدث الرجل نفسه عن احتمالات تمدد “الجماعات المتطرفة” بناء على تقارير أتت من الفلوجة والرمادي. ما حدا في حينه باحدى اعضاء اللجنة، دايان فينتستين، الى التحذير من احتمال ان تجد تلك الجماعات ملاذا آمنا في سوريا، وتحديدا في المناطق التي “يغيب عنها النظام والمعارضة، بحيث تصبح سوريا نقطة انطلاق لهجمات قد تطال الولايات المتحدة.”

لنفترض أن أوباما لم يتابع في حينه تلك التقارير، الا انه بالتأكيد لا ينكر الانتقادات التي ساقتها الاصوات المعارضة لسياسته في سوريا، وخاصة من قبل وزارتي الخارجية والدفاع، عدا عن بعض ممثلي الشعب في الكونغرس. هذه الانتقادات وصفها في مقابلته الأخيرة “بالميتولوجيا التي تدعي بان الامور كانت ستكون أفضل لو تم تسليح المعارضة السورية المعتدلة في حينه”. معتبرا ان تلك المعارضة، محشورة الآن بين داعش والاسد، متحاشيا بالطبع تحديد من المسؤؤل عن ذلك!

هنا يطل السؤال البديهي برأسه: ماذا يعني أن يستدير “العم سام” من جديد الى الشرق الأوسط؟ وهل يعني الاعتراف “بسوء التقدير” اعترافا ضمنيا بفشل السياسة المتبعة خلال السنوات الثلاث الاخيرة؟ وبالتالي، الى أي حد يمكن أن تصل هذه “الردّة”؟ هل من نية للانغماس مجددا في رمال الشرق الاوسط، المتحركة بشدة منذ “ولادة الربيع”؟ أم أنها تدخُّل الضرورة الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا؟؟

أوباما وفي المقابلة نفسها، اعطى اولوية لمواجهة داعش معتبرا ان خطرها مباشر على الولايات المتحدة، وحدد المهمة ب “دفعهم الى التقهقر وتقليص المساحة التي يسيطرون عليها واستهداف قادتهم”، مكتفيا بالاشارة الى “ان الحل السياسي ضروري في العراق وسوريا، من اجل تحقيق السلام على المدى البعيد.” دون أن يحدد عناوين خريطة الوصول الى ذاك الهدف.

في المقابل، علت أصوات في الداخل الاميركي ترى بانه في نهاية الامر، لا بد من مواجهة برية. ذلك ان الضربات الجوية وحدها لن تكفي للقضاء على الدولة الاسلامية وما تشكله من خطورة. دون أن يعني ذلك ضرورة ان “تكون الجزمة أميركية”. وفي سياق متصل، دعا الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، مجددا الى اقامة منطقة عازلة وحظر للطيران في سوريا، في معرض حديثه عن حتمية مشاركة تركيا في الائتلاف ضد داعش.

عودة الحديث عن منطقة عازلة وحظر للطيران، تعيدنا الى التحليلات السابقة قبل أكثر من عامين، وتؤكد أن انتظار حلول سحرية تهبط من السماء، ضرب من ضروب الجنون! جنون أضاف ويضيف كل يوم ضحايا ودمارا وألما وتمزيقا لاوطان وشعوب.

من السذاجة الاعتقاد بان مؤتمرا شبيها بمؤتمر جنيف يمكن أن يعيد اللحمة بسحر ساحر الى سوريا الممزقة، أو العراق الموجوع. أو ان اللحمة بين أبناء الوطن يمكن ان تستعاد بسهولة. التوافق بين المكونات والاطياف مفترض، ولكنه لا يمكن ان يكون مفروضا بشطحة قلم. الأمور تعقدت أكثر من ذلك بكثير، وقد تكون الخطوة الأولى الواقعية نحو الانطلاق الى حل بعيد المدى، هي وقف حمام الدم، الامس قبل اليوم! بداية بوقف لاطلاق النار كما يحدث في كل الحروب الاهلية، يليه محاولة اعادة الحياة الى الشرايين الممزقة، مع ما يستلزمه ذلك من حل لازمة النازحين..

البداية طبعا، وكما ألمح أردوغان، يجب أن تكون بايقاف براميل الموت الاسدية، التي سبقت سواطير داعش الى رؤوس أناس كل ذنبهم انهم أرادوا الحياة. بداية لم تبد علامات الحماسة عليها في تعابير أوباما، الذي اختلف المحللون في تفسير مقصده من “لو كنت أعلم”….