مصر أمام منعطف خطير

“أم الدنيا” تقف الآن على مفترق طرق، قد يكون الأخطر منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١. حينها تحول “ميدان التحرير” ساحة صدحت فيها الحناجر مطالبة بالعدالة الاجتماعية، في صورة سجلها التاريخ نقطة التقاء للعديد من أطياف المجتمع المصري، من أقصى اليمين الاسلامي، الى أقصى اليسار الليبرالي. صورة أنهت، من حيث المبدأ، حكما استمر ثلاثين عاما، وبشرت بمرحلة جديدة قُطعت فيها العديد من الوعود.

حسابات الحقل لم تتوافق وحسابات البيدر. ارتكبت العديد من الاخطاء، وذهبت الكثير من الوعود أدراج الرياح. تغيّر المشهد السياسي أكثر من مرة، وبوتيرة متسارعة، ليعود من جديد الى صورة يُشبهّها بعض المراقبين بتلك التي كانت سائدة قبيل الثورة: أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة تعاني منها البلاد دون وجود أفق لحل جذري قريب، ومعارضون سياسيون خلف القضبان. مع ازدياد حالة الاستقطاب بين أطياف المجتمع، لدرجة قد يصبح من الصعب بعدها صهرها في بوتقة وطنية واحدة، غالبا ما ميزت الشعب المصري.

في ظل هذه الاجواء، اتى قرار إعدام الرئيس المصري السابق محمد مرسي والعديد من قيادات جماعة الاخوان المسلمين، ليصب حطبا على جمر حالة الاستقطاب الحاصلة، ويدفع بها نحو المزيد من الانقسام والتشرذم. انقسام يتخوف محللون من أن يتحول الى شكل من أشكال الحروب الأهلية، اذا ما أصر الحكم الحالي في مصر على سياسة استئصال حركة الاخوان المسلمين. وقد تخوفت النيويورك تايمز في أحد مقالاتها من ان يتحول إعدام مرسي، اذا ما نُفذ، الى رسالة للمصريين مفادها ان “حمل السلاح هو الطريق الوحيد لاسماع صوتهم”.

هل تُنفذ قرارات الاعدام؟ وما هي التداعيات التي يمكن ان تنتج عن ذلك؟ الأمر مفتوح طبعا على احتمالات شتى، عنوانها الأساسي مجابهة مفتوحة حتى النهاية. نهاية قد تصبح معها الجزأرة ( من الجزائر ) نموذجا. الطريق أمام احتمال تنفيذ تلك الأحكام ما زال طويلا، وأمامه سبل عديدة للمواجهة. وتتراوح تلك السبل بين الطعن أمام محكمتي الاستئناف والنقض، وامكانية اتخاذ قرار رئاسي بتخفيف الحكم أو حتى العفو، إذا ما توافرت نية بتخفيف المواجهة وامتصاص الاحتقان.

على كل، حتى لو أخذت القضية طريقها نحو الاستئناف، فان ذلك مسار سيأخذ وقتا. عامل الوقت يراهن البشر عليه عادة للتأقلم مع حالة معينة، أو حتى نسيانها، إلا أن هذه القاعدة العامة من المستبعد أن تنطبق على تطور الأحداث في مصر. ذلك أن معظم التحليلات والتوقعات توحي بان التصعيد قد يكون سيد الموقف في الفترة المقبلة. ويذهب بعضها الى الايحاء بان هذا التصعيد مطلوب، بهدف تقديم الملف الامني على ما عداه من ملفات، ما يؤجل بطبيعة الحال البحث في تحديات اقتصادية واجتماعية، كانت السبب الرئيس وراء ثورة يناير، ولا يبدو أن النظام الحالي يملك رؤية واضحة تجاه التعامل معها.

 

 تساؤلات أخرى حول الاصرار على الذهاب بعيدا في عملية قمع الاخوان، رغم الحديث مؤخرا عن مراجعات في صفوفهم. حديث خرج على غير عادة الى العلن، واستمعنا خلاله الى انتقادات من داخل الجماعة ودعوات الى الاصلاح وتغيير قادة الصف الأول والعمل على تقديم بدائل. تلك المراجعات على ما يبدو، لن تحظ بفرصة كافية للنضوج بشكل يمكن أن يعبّد الطريق نحو مشاركة، حقيقية هذه المرة، تؤمن التعايش والتوافق المطلوب. على العكس من ذلك، أتت قرارات الاعدام والقمع بالقوة لتعزز سياسة “استئصال” يرى الدكتور حسن نافعة، استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، انها قد تؤدي الى “قتل تلك المراجعات والمبادرات في مهدها”.

الى أين من هنا؟ وهل يملك النظام المصري الحالي رؤية واضحة، يقود على أساسها سفينته في خضم موجات اضطراب تلوح في الأفق؟ وما ماهية تلك الرؤية؟ وفي ظل هذه الأجواء، أي برلمان يمكن أن ينبثق عن انتخابات منتظرة تأجل استحقاقها أكثر من مرة؟ وهل ستقدم “العسكرتارية”، التي عملت في الظل سابقا، نفسها خيارا وحيدا يمسك بزمام الأمور من “سيناء الى السويس”؟

مفترق طرق حرج وعصيب اذا، تتعدد فيه الميادين، وتتقاطع زواريبه مع حسابات إقليمية ودولية. انها لعبة التاريخ الذي لا يمل من اعادة تكرار نفسه مرة بشكل مأساة، وأخرى بشكل مهزلة كما يقول كارل ماركس. وقد اختار الشرق الاوسط مرتعا له هذه الأيام.