الاتفاق النووي في بداية الطريق…

تكللت المباحثات، بعد جهد جهيد، بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن بالاضافة الى المانيا، باتفاق نووي. الا أن هذا لا يعني الوصول الى نهاية الطريق. محطات عديدة أمام هذا الاتفاق التاريخي، أولها الآن تسويقه أمام الرأي العام وحلفاء الاطراف الموقعة عليه. لن نتطرق في السطور المقبلة الى النقطة المتعلقة بالحلفاء وكافة الاطراف الموقعة، بل سنحصر الحديث حيث تتجه الانظار، أي في الداخلين الايراني والاميركي، الطرفين الابرز في المعادلة.

الاتفاق النووي الذي يقع في مئة وتسعة وخمسين صفحة، ويحتوي ملاحق إضافية مفصلة، في طريقه الى التدقيق والتمحيص. هذا ما دعا اليه مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية، وهذا ما توعّد به أيضا أعضاء الكونغرس الاميركي. تدقيق سيتيح للجميع، منتقدين ومؤيدين، بحسب التوقعات، الحصول على حجج لنقاشاتهم، نظرا لاحتواء الاتفاق على الكثير من التفاصيل التي تعطي الطرفين مكاسب من جهة، وتسجل عليهما تنازلات من جهة أخرى.

أميركيا، رحب الرئيس الاميركي بمناقشة الاتفاق، لكنه أبقى على تلويحه باستخدام “الفيتو” أمام أي تشريع قد يقف بوجه تنفيذه. أمام الكونغرس ستون يوما ( تبدأ تاريخ الحصول عليه من الادارة) للتصويت على الاتفاق. لكن حتى لو تم رفضه، فان أغلبية الثلثين مطلوبة للوقوف بوجه الفيتو الموعود. فهل يتمكن النواب المعارضون الذين وصفوا الاتفاق بالخطأ “المحزن والفظيع والخطر والوهم”، من تحقيق تلك الاغلبية؟ المراقبون يستبعدون ذلك، نظرا الى استمرار غياب بدائل مقنعة لحل الازمة.

على كل حال، أوباما نفسه قال في مواجهة منتقديه إن كلاما قاسيا يصدر من واشنطن لا يمكنه أن يحل المشاكل. قد يكون الرئيس الاميركي على حق في ذلك، الا أن أي كلام يصدر عن ممثلين للشعب منتخبين في نظام ديمقراطي، لا بد وان يخلق موجة من نقاشات لن تكون سهلة على ما يبدو، في ظل تلويح البعض “بقتل الاتفاق” ( السناتور توم كوتون). أضف الى ذلك، أن الجدول الزمني لتطبيق الاتفاق يمتد الى سنوات ستكون فيها أعين المعارضين مركزة على أية زلة.

إيرانيا، كان الترحيب بالاتفاق وتصويره على أنه انتصار للجمهورية الاسلامية طاغيا على المشهد. فقد شهدت شوارع إيران احتفالات، وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالمدائح للرئيس ووزير خارجيته. إلا أنها لم تخل أيضا من بعض المعارضين، في خطوة رأت الفاينانشال تايمز انها تأتي للتذكير بانهم لن يساوموا على ايديولوجيتهم.

إن أي رفع للعقوبات بموجب الاتفاق، سيضخ الاوكسجين في الجسد الاقتصادي الايراني المنهك. وهذا ماكان على رأس جدول أعمال حسن روحاني عند انتخابه رئيسا للجمهورية. وقد وعد حينها باصلاحات بدأ بالفعل العمل عليها، عنوانها الأساسي محاربة الفساد وسوء الادارة. إلا أنه وبحسب الاتفاق أيضا، فإن رفع العقوبات لن يتم إلا بعد استيفاء إيران للعديد من الشروط، ما يعني أن الشعب الإيراني لن يشعر بما يحققه له الاتفاق من مكاسب اقتصادية، الا بعد حين.

أمام معارضي الاتفاق في إيران إذا وقت لوضع العصي في دواليبه، فهل “تفرملهم” دعوة خامنئي الشعب الايراني الى “الحفاظ على وحدته بما يتيح تحقيق المصالح الوطنية في أجواء هادئة وحكيمة”؟ وهل تتمتع كافة الأطراف ب”المرونة الشجاعة” للقبول بأهون الشرّين؟

مما لا شك فيه أن نجاح الاتفاق النووي، اذا ما وصل الى خواتيمه، سيقوّي موقع الرئيس الايراني حسن روحاني والتيار الذي يمثله، على حساب صقور إيران. من المعروف أنه عقب الثورة الاسلامية، غادرت الشركات الاجنبية إيران وحلت محلها مؤسسات تابعة للحرس الثوري الايراني، أمسكت بالكثير من مفاصل الاقتصاد في البلاد، وحققت أرباحا طائلة، وحصلت على امتيازات جمة. السؤال هنا، هل تتخلى تلك الجهات عن امتيازاتها ببساطة مفسحة المجال أمام تطبيق الاتفاق؟ هذا أمر يستبعده المراقبون.

سفينة الاتفاق تواجَه منذ الآن برياح عاتية وأمواج متلاطمة في الولايات المتحدة، وتبدو مياهها هادئة في الجمهورية الاسلامية الايرانية. ولكن هل يصّح المثل اللبناني القائل “أُمرق على البحر الهايج وما تمر عالبحر السكران”؟ الأشهر المقبلة كفيلة بايضاح الصورة. صورة يتوسع إطارها بالطبع الى خارج حدود البلدين، حيث تكثر ساحات المواجهة.

الاتفاق النووي وإيران الخمينية

ايران حققت اهدافها … الله استجاب لصلوات أمتنا. كلام صدر عن الرئيس الايراني حسن روحاني في معرض تعليقه على الاتفاق النووي الذي تم التوصل اليه بين إيران والدول الخمس زائد ألمانيا. تُرى، كيف كان سيكون وقع هذه الكلمات على أذن قائد الثورة الاسلامية، ومؤسس النظام الايراني الحالي آية الله الخميني لو كان الاموات يسمعون؟

إتفاق تاريخي تم التوصل اليه بين إيران والغرب، ستختلف تفسيراته. كل طرف سيحاول طبعا القاء الضوء على النقاط التي تُظهر المكاسب التي حصل عليها بموجبه. ولكن بغض النظر عن التفاصيل التقنية التي يتضمنها، يبقى البند الرئيس الفاقع أن إيران أضحت، وبموافقة منها ( اذا صمد الاتفاق طبعا) تحت الرقابة الدولية بزعامةالشيطان الاكبر (سابقا).

القبول بهذه الرقابة، الصارمة بحسب الاتفاق، لم يأت بسهولة. تطلب الامر جلسات طويلة من النقاش الجدي والجهد الديبلوماسي والوقت الثمين. أشهر طويلة تم العمل خلالها على توافق يبقى عنوانه رفع العقوبات المفروضة على ايران، مقابل التزامها بشروط الغرب ورقابته على نشاطها النووي. عقوبات، يتفق مراقبون، على انها تحولت حبلا أخذ يلتف ويضيق الخناق على عنق ايران، ودفع بمرشدها الاعلى الى إعطاء ضوء أخضر أتاح التوصل الى اتفاق.

الاتفاق المذكور يُنهي عقدا من زمن عزلة ايران عن العالم، ويضع في الوقت نفسه شروطا على برنامجها النووي. آراك سيُعاد تصميمه بحيث لا ينتج البلوتونيوم، فوردو سيتحول الى مركز للابحاث والتطوير، ناتانز خُفضت إمكاناته، عدد اجهزة الطرد المركزي انخفض بشكل دراماتيكي. والأهم أن كل ذلك سيجري تحت أعين المراقبين الدوليين.

هل يتعايش صقور ايران مع هذا الواقع الذي يمكن ان يفرضه تطبيق الاتفاق المذكور؟ وهل سيرضى الايرانيون الفخورون بقوميتهم أن تدفع بلادهم من سيادتها، ثمن نهاية العزلة ورغيف الخبز؟

الرئيس روحاني تحدث عن فصل جديد يتيحه الاتفاق، عنوانه العمل من أجل تحقيق النمو والتطور، ويتيح لشباب ايران الحلم من جديد بمستقبل أكثر إشراقا. كلام يعيد الى الذاكرة صدى كلمات الرئيس الاميركي باراك أوباما في مقابلته الشهيرة بعيد توقيع اتفاق الاطار. حينها وضع اوباما شباب إيران بين خيارين: العزلة والمعاناة من العقوبات، أو الانفتاح على العالم والمساهمة في تطوره (وبالتالي الاندماج في منظومته).

هل يكون الاتفاق كما وصفه روحاني، نقطة انطلاق لبناء الثقة بين إيران والغرب؟ وهل يشكل فعلا حلا لأزمة غير ضرورية تنبثق مع حلها آفاق جديدة مع التركيز على التحديات المشتركة؟

وهل هذه هي فعلا أهداف الجمهورية الاسلامية وقد تحققت في الاتفاق النووي؟ وهل يُطلق عجلة تغيير يمكن أن تعيد دمج إيران بالاقتصاد العالمي؟. ولكن، هل تلتق تلك الاهداف مع ثورة الخميني قبل خمسة وثلاثين عاما؟ ومن أجل ماذا قامت تلك الثورة ودفع الشعب الايراني أثمانها باهظا؟ ألعودة إيران إلى الاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية؟

إن تحققت تلك النظرية، هل يبتسم الشاه “محمد رضا بهلوي” في قبره، لو كان الأموات يبتسمون؟