كلمات في كتاب ” الحديقة الخلفية” للصديقة شهير ادريس:

         إنها حديقة خلفية، مساحة نهرب اليها من عيون المتطفلين وهمساتهم. نعجنها ونقولبها كما يحلو لنا، ونزرع في حناياها كل الأسرار، الكبيرة منها والصغيرة، فرحابة صدرها تتسع بصدق لكل شيء، دون أحكام أو محاسبة. لا ملامة هناك، ولا مكان للشعور بمسؤولية أو واجب أو ذنب، إنه مكان افتراضي بواقعية، نهرب اليه من قواعد اللعبة المجتمعية، ونطلق فيه لمشاعرنا عنان حرية التنفس كما يحلو لها.

        حديقة سرية هي إذا، لا يملك مفاتيح ولوجها إلا من تمتع برهافة المشاعر ونقاء القلب والبصيرة ليفهم ويتفهم ويرى، وبالقدرة على التلاعب على الحروف واللعب مع الكلمات لينقل صورة ما رأى. شهير إدريس الكاتبة، امتلكت بحق تلك المفاتيح والقدرة، وأثبتت حضورها وبقوة من العمل الأول الى جانب ادريس الباحثة الاجتماعية والاعلامية المخضرمة، بل وتكاد تتفوق عليهما بالقدرة على التحديث. فقد تركت، ومن باكورة أعمالها، بصمة وهوية من خلال المزاوجة بين فن الأقصوصة والخواطر. صحيح أن غلاف الكتاب يصف محتواه بالقصص القصيرة، لكنها ليست تلك التي يمكن للقارىء أن يتوقعها، فلا أبطال واضحين ولا أسماء ولا عناصر محددة لذاك الفن الكتابي العريق. عوضا عن ذلك، اختارت الكاتبة أن تنقل برشاقة وعمق، لحظات توقف فيها الزمن، وتخطته بدل أن يتخطاها. أبحرت وأبدعت في الوصف، وحملت المشاعر بالحب والشغف والانتظار والاحباط والامل والتعلق، على قيثارة خفية ترجمت أنغامها تعابير وتشابيه واستعارات. التقطت هوية للمرأة وبعضا من أوجه انعكاسات كينونتها بمعزل عن دورها الاجتماعي وما يتوقعه منها المحيط، وحضورا قويا للرجل في خضم كل ذلك. كيف لا، وهو الحبيب والرفيق، وهو القريب البعيد البعيد، وهو المخلص والجلّاد، وأس الحزن والفرح، ما انفك يحمل العلقم بيد والحلاوة باليد الأخرى.

        إنها خواطر قصصية إذا، تدفع سطورها القارىء الى الشعور بالشخصية، والشعور معها، قبل أن يتعرف عليها من خلال صورة يكونها هو نفسه، واستنتاجات تترك لمخيلته حرية وضع المقدمات والبدايات والنهايات، في القالب الذي يريد. وذلك بعدما يكون قد تشبّع من الحالة المعيوشة، وحبس أنفاسه تارة وتركها تتقطع متناثرة في الأثير تارة أخرى. ومع كل بحور العشق المتضمنة في الكتاب، يبقى الانتظار سيد الموقف، وهو بالنسبة لنا نحن القراء، إنتظار للمزيد من كاتبة واعدة نتمنى لها كل النجاح الذي تستحق.