أزمة الضرائب بين الشعبوية وغياب الثقة

يترافق البحث في فرض ضرائب وإقرارها عادة مع اعتراضات وامتعاضات أينما بُحثت، لكن يبقى لتناولها في لبنان هذه الأيام طعم آخر. البلد الذى عانى من فراغ سياسي في سدة الرئاسة قرابة عامين زاد مؤسساسته إهتراءا على اهتراء، يشهد حركة اعتراضية احتجاجا على ضرائب سيتم إقرارها بغية تأمين إيرادات ترتبط بموازنة عامة تأخرت اثني عشر عاما، وسلسلة رتب ورواتب للقطاع العام طال انتظارها.

رغم الاعتراضات، وهرج ومرج رافق الجلسة الاخيرة لمجلس النواب، ظل رئيس الحكومة سعد الحريري متمسكا بإقرار السلسلة، رافضا العمل “بشعبوية” وواعدا بالعمل على إقرار الموازنة و مكافحة الفساد ووقف الهدر من خلال استكمال التعيينات في مؤسسات الدولة. وهو وإن كان قد تحدث قبل أشهر عن ضرورة التحديث والمكننة في أجهزة الدولة كخطوة ضرورية أولى نحو مواجهة الفساد، إلا أنه لم يعرض رؤيته العملية بعد في هذا المجال أمام الرأي العام، ولم يُشر الى جدولة زمنية لامكان تطبيق ذلك.

بالعودة الى الضرائب، يرى مراقبون اقتصاديون أن فرضها مهما كان حجمه سوف يكون سلبيا، لأن النمو الاقتصادي في لبنان بطيء جدا هذه الايام، والضرائب لا بد وأن تنعكس ركودا في الساحة الاقتصادية، داعين الى الاتجاه نحو تخفيض الانفاق بدلا عن ذلك. ولكنهم أجمعوا في المقابل على القول، ألا خوف على العملة اللبنانية من الانهيار.

الملفت، أن السلة الضريبية كان قد اتُفق عليها في عهود حكومات سابقة، ودرستها اللجان المشتركة في مجلس النواب، حيث كان هناك التزام بما ورد بها، لا بل ودفاع عنها من بعض النواب الذين علت أصواتهم اعتراضا عليها بعد عامين. وقد ترافقت الاعتراضات مع تسريبات عن فرض ضرائب مجحفة على سلع وقطاعات تطال المواطن مباشرة في لقمة عيشه، اتضح فيما بعد أنها عارية عن الصحة، في حين ظل البحث محصورا في السلة المتفق عليها أصلا.

ما الذي تغير ووضع كتلا نيابية كانت موافقة على تمرير السلة، في خانة الاعتراض أو التردد؟ ومن الذي سرّب “لوائح ضرائب ملغومة”، ولماذا؟

تطل “الشعبوية” برأسها قبل أشهر على انتخابات نيابية من المنتظر أن تحصل ولو تأخر إجراؤها. وقد وجهت “تهمة الشعبوية” بشكل مباشر الى حزب الكتائب، الذي كان على وشك الانضمام الى الحكومة الحالية لو بقي رئيس الحكومة على وعده الأولي له بحقيبة ترضيه.إلا أن تسويات اللحظة الأخيرة في حينها، أخذت من الحزب الحقيبة الموعودة، ما دفعه الى اختيار الجلوس في مقاعد المعارضة. رئيس الحزب، سامي الجميل، طالب بتمويل سلسلة الرتب والرواتب “ممن يسرقون أموال الدولة، وهذا ممكن تطبيقه من خلال خطة استثنائية وعاجلة.” دون أن يسم “المتهمين بالسرقة”، أو يعرض خطة عاجلة قابلة للتطبيق.

وعلى ضوء الاعتراضات التي كانت بدأت تأخذ بعض الزخم الشعبي، قرر رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، تعليق تأييد حزبه لسلسلة الرتب والرواتب، الى حين تأمين المعارضين لها لوارداتها، مكتفيا بالقول:“حين يصبح الامر متعلقا بالمزايدات فلا يمكن العمل.”الأمر الذي رأى فيه معلقون استمرارا في التنافس على جذب التأييد في الشارع المسيحي.

من جهته، دعا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ،وليد جنبلاط، الى وقف الهدر وضرب مكامن الفساد بمعالجة جدية، لتجنب كم الضرائب والرسوم. وهو وإن تقدم بسلسلة اقتراحات عملية، تتعلق بتذاكر سفر مسؤولين ومناقصات ومحطات الطاقة، إلا أنه لم يقدم خريطة طريق تضع يدها على مكامن الفساد وتوقف الهدر في الوقت المطلوب. وكان لافتا ان تأتي اقتراحاته متاخرة عامين على البحث في السلة الضريبية المرتبطة بالسلسلة، في ظل الحديث عن محاولات لصرف الأنظار عن قانون انتخابات جديد قد يحجم  الكتلة الجنبلاطية في المجلس المقبل.

مواقف عديدة أخرى صدرت عن أحزاب وجهات حزبية ومدنية، بين مؤيد ومعترض، يبقى أبرزها تلك التي علت داعية الى النزول الى الشارع، ووعدت بحشد جمهور عريض يملأ الساحات. وأمام هذه الدعوات نجد أنفسنا أمام مشهد أضحى مكررا: مواقع تواصل اجتماعي تحشد جماهير افتراضية، وشعارات تتضارب وتتناقض في بعض الاحيان، دون تقديم أي بدائل وطروحات عملية ممكنة التطبيق في ظل الاوضاع الراهنة التي تعيشها البلاد. وهذه المرة تتراوح العناوين بين الضرائب والمطالب الانتخابية، مرورا بحق إعطاء الام لجنسيتها وحتى حماية حرش بيروت…الخ.

صورة تذكرنا بان المجتمع المدني في لبنان لا زال، رغم السنين والتجارب، في مرحلة مخاض. فهو لم يتلمس بعد طريقا تضعه في خانة القادر على طرح البدائل والامساك بزمام الامور في حال فشل السلطة. ذلك أن عمله ما زال محصورا بانتظار حدوث أزمة ما يدعو على أثرها الى النزول للشارع، في غياب أي رؤية مستقبلية واضحة، عدا عن طرح شعارات رنانة تبقى في إطار العموميات. حتى أنه حتى الآن ما زال غائبا عن العمل على وضع اقتراح لآلية مراقبة ومحاسبة تكون أساسا لحكم ديمقراطي منشود.

إذن، نحن أمام مشهد قد يكون الطاغي عليه غياب الرؤى الاستراتيجية على المستويين الرسمي والشعبي. فلا السلطة وضعت برنامج عمل كاشفت الناس بتفاصيله وتعمل على أساسه، ولا الحركات الاعتراضية توحدت خلف مطالب عملية واضحة على الأقل، أو عملت على طرح حلول بديلة. الكل يشكي الفساد والهدر في موارد الدولة والمواطنيين، دون إمكانية التحقق عمليا من مكامن ذاك الفساد، بعد ان تخلفنا عن العالم المتقدم بأشواط في عالم البرامج الالكترونية التي تسهل عملية المراقبة.

وما يزيد الأمور تعقيدا، أزمة الثقة بين مواطن وسلطة يرى فيها تاريخا طويلا من تمييع للحقوق على أقل تعديل، أضحى معها خائفا أن يصدق وعودا بتحسن الأحوال وتقديم الخدمات بعد فرض الضرائب، بغض النظر عن ماهيتها.

تبقى الاشارة الى أن المنطقة من حولنا لم تعد على كف عفريت، بل أضحت ساحة حروب ونزاعات تقوم عفاريت كثيرة بايقادها. شرارة واحدة تكفي لانضمامنا الى جوقة الجنون واللعب بالنار التي تجري من حولنا. من المستفيد؟ كيف يمكن تلافي ذلك دون التنازل عن المطالبة بحقوق يجب أن تكون أصلا من المسلمات؟ هل أخذ شبابنا المعترض عبرة من تجربة شباب الربيع العربي، الذي دخل شتاء قاتما مكفهرا؟ ا

وختاما،  كيف يمكن الاستفادة من تجارب ماليزيا وبقية النمور الفتية في جنوب شرق آسيا، والتي نجحت في المزاوجة بين تظام اقتصادي انتاجي قائم على التصدير، وبين أنظمة قانونية اجتماعية وسياسية تحقق العدالة للطبقات الفقيرة والضعيفة (الإثنية هناك، والطائفية عندنا) والوحدة الوطنية بين كل فئات المجتمع.

وهذا اقتراح برسم قوى المجتمع المدني، يمكن أن يخرجها من سياسات رد الفعل، ويدخلها إلى ميدان الفعل والعمل، عبر استراتيجية عليا واضحة، وتكتيكات برنامجية ومرحلية أوضح. فهل تفعل؟