تونس: عبق الياسمين في خطر؟

قبل اكثر من عامين، فاحت رائحة الياسمين من تونس وملأ عبقها أرجاء العالم. رائحة فتحت قابلية شعوب، مكبوتة محرومة، على الحرية والعدالة والعيش الكريم. ورغم التمخضات الصعبة، ظلت الثورة التونسية، أكثر الثورات الوليدة الواعدة بانتقال سلس من الديكتاتورية الى الديمقراطية. الى أن شرّع اغتيال القيادي المعارض، شكري بلعيد، الأبواب على المجهول.

فبعد عملية الاغتيال، وهي الاولى منذ عهد الاستعمار( اغتيال السياسي والنقابي فرحات حشاد)، تشهد تونس اليوم اضرابا شاملا، هو الاول ايضا، منذ خمسة وثلاثين عاما. في مؤشر على ان الامور بعد اغتيال بلعيد، لن تكون كما كانت قبله. وهذه اطلالة سريعة على مواقف الاطراف الرسمية للأزمة:

حركة النهضة الحاكمة بدت في مواقفها حتى الآن، متمسكة بالسلطة. وظهرت خلافات داخل صفوفها، تجلت برفض مبادرة لاحد ابرز كوادرها، رئيس الحكومة، حمادي الجبالي، تقتضي تشكيل حكومة كفاءات (تكنوقراط). “المؤتمر من اجل الجمهورية” الشريك في الحكم، رفض المبادرة ايضا، واصفا اياها بالانقلاب على الشرعية. اما حزب “التكتل من اجل العمل والحريات”، احد شركاء الائتلاف، فقد عبر عن دعمه للجبالي. فيما علقت ” الأحزاب المتحالفة مع نداء تونس” عضويتها في المجلس الوطني التأسيسي، مطالبة بحله، وباستقالة الحكومة. ودعت الى عقد مؤتمر وطني للانقاذ.

اذا اضفنا الى مواقف اطراف الحكم، موقف المعارضة المرحب بتشكيل حكومة كفاءات، نستنتج ان استمرار العمل بالحكومة الحالية، غير وارد. وبان التغيير الحكومي اصبح حتميا. ولكن الأزمة تكمن في البديل المحتمل، وكيفية الوصول اليه. وذلك في ظل ما يبدو انه مأزق دستوري وقانوني، يزيده تعقيدا، عدم انتهاء المجلس الوطني التأسيسي من مهمة صياغة الدستور(رغم مرور خمسة عشر شهرا على بدء تلك العملية). واقع ترك البلاد من دون تحديد رؤية للمستقبل، وفتح المجال للفوضى عنوانا للمرحلة الانتقالية.

فوضى دفعت بكثير من التونسيين الى أحضان الإحباط، بعدما تُرك أمنهم بيد مجموعات، ارتكبت تعديات واعمال عنف، باسم “حماية الثورة”. ترافقامع ضعف في آداء الأجهزة الامنية، نتج عنه “عنفا سياسيا” حذر منه بلعيد، قبيل سقوطه ضحية له. أضف الى ذلك، عدم تجاوز فكرة “المحاصصة الحزبية”، التي شكلت أحد العوائق في وجه توافق، يجب نظريا، ان يتم الوصول عبره الى “عقد” يحكم تعايش مختلف أطياف المجتمع. دون ان ننسى، عدم توحد المعارضة خلف مشروع، يكون من شأنه ان يؤمن لشباب الثورة، ابسط مطالب العدالة والكرامة، على مختلف الصعد.

الفوضى التي اشرنا اليها، وصلت حد الغليان مع اغتيال بلعيد، وردود الفعل التي تلته. البعض حمّل مسؤوليتها للاسلاميين، ووجّه البعض الآخر أصابع الاتهام فيها للعلمانيين، ورموز النظام السابق. في ظل حديث مستمر عن انقسام عامودي حاد بين الطرفين، لا يلحظ في بعض الأحيان الفروقات الهائلة بين التيارات المختلفة لكل جهة منه. فروقات قد “تأكل أبناءها”، اذا لم يتم قبول الآخر والتعايش معه. وقد تُسلط الأضواء في هذه المرحلة على الاسلاميين أكثر من غيرهم، لانهم ببساطة في الحكم. والناس ستطلق الاحكام على تجربتهم في السلطة. وهنا يلتقي إسلاميو تونس مع نظرائهم في أماكن أخرى، خاصة مصر، في نقطة مواجهة هذا التحدي.

وإذا ما عدنا الى تجربة الإسلاميين (المعتدلين منهم) في المعارضة خلال عهد الأنظمة التوتاليتارية السابقة، نجد انهم تميزوا بالبراغماتية، رغم حالة الإقصاء المجحفة التي عانوا منها على مر عقود. براغماتية اتاحت لهم الاستمرارية وتنظيم الصفوف والقدرة على العمل والتأثير، رغم الصعاب. ودفعت الكاتب “ناثان براون” الى تشبيههم ب”معجون الأسنان”، الذي يجد محتواه طريقا له، رغم الضغط عليه من أي جهة. وهنا يرى مراقبون، ان الاسلاميين أحوج ما يكون، وهم في السلطة، الى هذه البراغماتية. اذا ما تم توظيفها انفتاحا على “الآخر” بهدف بناء وطن يتسع للجميع.

الى اين من هنا؟ هذا يعتمد على خيارات الحكم والشارع، السلطة والمعارضة. فهل سيتم إحداث شقوق من شأنها تنفيس حالة الاحتقان والتصادم؟هل ستأخذ العدالة مجراها، بدءا بتحقيق شفاف يطال الجرائم المرتكبة، وانتهاء بمحاسبة المسؤؤلين عنها؟ هل ستبُنى جسور الثقة؟ هل سيتم الاستماع الى الحقوقيين الداعين الى استقلال القضاء وإصلاح أجهزة الأمن؟ وبالتالي، ما هي فرص عدم انزلاق البلاد الى حرب أهلية كان “الاتحاد العام التونسي للشغل”، أحد اهم المحذرين منها، عندما قال: ان البلاد دخلت منعرجا خطيرا، يتطلب من قوات الجيش والأمن تحمل مسؤولياتها. فهل تبادر “الدولة المدنية” الى الامساك بهذه القوى؟ أم تفسح لها مجال العودة للعب الدور المحدِّد على الساحة السياسية؟

ختاما، إتضح ان العناية بالياسمين واجب ومهمة صعبة، خاصة في مرحلة تشكل البراعم. عسى ان يُسقى ياسمين العرب توافقا قبل ان يتم اغراقه بالدم.

One thought on “تونس: عبق الياسمين في خطر؟

Leave a Reply