دونالد ترامب وكيم جونغ أون: تهويل بالكلام النووي

حرب كلامية اندلعت مؤخرا بين الولايات المتحدة الاميركية وكوريا الشمالية، وصلت الى حد الشتائم بين من يقف على رأس هرم السلطة من الجانبين. دونالد ترامب وصف كيم جونغ اون بـ«الرجل الصاروخ في مهمة انتحارية»، والاخير قال إن الرئيس الاميركي «مختل عقليا» وسيدفع ثمنا باهظا بسبب خطابه في الأمم المتحدة، ثم لوح بعد ذلك باطلاق قنبلة هيدروجينية في المحيط الهادي. وكان ترامب توعد في خطابه بالحديد والنار، قائلا إن واشنطن ستدمر كوريا الشمالية، إذا أُرغمت على الدفاع عن نفسها. 

الحرب الكلامية المتصاعدة بين الطرفين، ترافقت مع تصعيد غير مسبوق من حيث عدد التجارب النووية التي أجرتها بيونغ يانغ، ومع فرض مزيد من العقوبات الاميركية والدولية عليها، وعلى كل من يسهل عمل برنامجها النووي، بم يطال العديد من المصارف وشركات النقل الاقليمية. فهل يعني ذلك اننا فعلا على عتبة صراع نووي مدمّر، قد نعرف أين يبدأ ولا نعلم أين ينتهي؟

هذه الأجواء يقارنها الكاتب الاميركي إيفان أوسنوس في «نيويوركر» بأجواء الحرب الباردة، مع فارق أن الرجلين اللذين يعود اليهما اتخاذ القرارات الاستراتيجية الوجودية، ليسا كينيدي وخورتشيف، بل «رجل اعمال ونجم تلفزيون واقع، يقابله ديكتاتور لم يلتق بحياته زعيم دولة، مع خبرة في عالم السياسة لا تتخطى السنوات السبع بالنسبة للاثنين». و يضيف، مع أن ترامب فخور بكونه رجلا لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، إلا أنّ تساؤلات المحللين الكوريين الشماليين، تتخطاه الى التساؤل عن مدى استعداد الشعب الاميركي للحرب، وهل يريدها الكونغرس والجيش؟ مشيرين الى تطوع ثلاثة ملايين كوري شمالي لخوض الحرب اذا ما اقتضت الضرورة، للموت في سبيل الكرامة والسيادة بحسب تعبيرهم. 

لقد أجرى معهد غالوب استطلاعا للرأي تبين من خلاله أن ثمانية وخمسين بالمئة من الشعب الأميركي يؤيدون شن حرب على كوريا الشمالية إذا فشلت جهود السلام، في حين أن تصريحات مسؤولين في الادارة الاميركية أبرزها لوزير الدفاع جايمس ماتيس، أبقت على الديبلوماسية خيارا أول، لكن من دون استبعاد رد عسكري شامل، مع التلويح باستخدام أسلحة نووية تكتيكية. وأُلحق ذلك مؤخراً، بتحليق للطيران الحربي الاميركي فوق المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، وصفه البنتاغون برسالة استعداد لاستخدام كامل القدرات العسكرية الاميركية. ما استتبع برد كوري شمالي على لسان وزير الخارجية، بأن بيونغ يانغ لن تتزحزح عن موقفها، وتهدف الى تحقيق توازن قوى مع الولايات المتحدة. 

هل الأمور بهذه البساطة؟ وهل تقف دول كالصين أو روسيا مكتوفة الأيدي؟ وماذا عن اليابان؟

اليابان، وعلى لسان وزير خارجيتها، قالت انها تتعامل بجدية مع التهديد الكوري الشمالي باستخدام قنبلة هيدروجينية، قد تمر فوق أراضيها، معلنة أنها لن تتسامح مع ذلك.

الصين، وفي موقف أثنى عليه ترامب، حذّرت بيونغ يانغ من السير في طريق الخطر، وأعلنت التزامها تطبيق العقوبات، علما أنها تطال مؤسسات مالية صينية أيضا. إلا أن مراقبين يرون أنه إذا ما تطورت الامور الى مواجهة، لا خيار أمام الصين الا التدخل المباشر. وفي هذا السياق ورد في أحد مقالات الـ«ناشونال انترست» أن الصين قد تتدخل عسكريا في حال تعرض كوريا الشمالية لهجوم أميركي أو عند انهيارها، لتأمين حدودها من جهة، ومنع ظهور دولة كورية موحدة موالية لاميركا، من جهة أخرى. 

فيما يتعلق بروسيا، تشير بعض التقارير الى دعم روسي واضح ومطّرد مع ازدياد العقوبات على بيونغ يانغ. وتقول ان التعاون بين البلدين يطال مجالات عدة أبرزها استقدام عمال (يراوح عددهم بين عشرين وخمسين ألفا سنويا) الى موسكو، وافتتاح وكالة سفر لتنظيم رحلات سياحية. مع الاشارة الى أن العقوبات الاميركية الاخيرة طالت أفرادا ومؤسسات روسية. ويتحدث تقرير لـ«الأتلنتك» عن رغبة روسية بالمساعدة نابعة من التعاضد بسبب الشعور بأن البلدين يتعرضان لعقوبات أميركية ودولية تدوس على السيادة. والأهم، انها نابعة أيضا من الخوف أن يشكل تغيير القيادة سابقة لتغيير الأنظمة، قد تتكرر أينما كان. 

وبالحديث عن الاطراف الاقليمية، لا بد من إشارة تاريخية ضرورية، وهي أن الحرب الكورية لم تنته في الخمسينيات. لم يتم توقيع أي اتفاقية أو معاهدة، جل ما في الامر ربط للنزاع، أو شكل من أشكال الهدنة، حافظت الاطراف بعده على الستاتيكو الموجود. تلك الحرب كانت قد استعرت بعيد الاستراتيجية الاميركية المعروفة بـ«الباب المفتوح»، أي فتح الاسواق العالمية أمام الولايات المتحدة وبشروطها. تلك الاستراتيجية اصطدمت حينها بروسيا والصين، وكانت كوريا إحدى ساحات المواجهة. هناك جرت حرب أهلية، تدخلت بعدها أميركا بتفويض من مجلس الامن، وحين تخطت القوات الاميركية حدود الصين، اجتاح الجيش الصيني مساحات كبيرة ولم يغادرها الا بعد التهديد الاميركي باستخدام القنبلة النووية. وخلال ثلاث سنوات من تلك الحرب سقط ثلاثة ملايين قتيل كوري، مقابل خمسين ألف جندي أميركي، وتم تدمير جميع القرى والبلدات في كوريا الشمالية، إضافة الى المحاصيل عبر تدمير السدود.

إذاً لقد فعلتها أميركا سابقا، فهل تفعلها مرة أخرى وتستخدم الحديد والنار لتدمير كوريا، كما هدد الرئيس الاميركي من على منبر الامم المتحدة؟

الكاتب الاميركي مايك وايتني يستبعد في الـ«كاونتر بنش» أن يشن ترامب حربا فعلية، معتبرا أن أميركا لاتملك ما يلزم من القوات على الأرض هناك، والأهم أن ذلك ليس جزءا من أهدافها الاستراتيجية، وأن إبقاء الستاتيكو الحالي هو من مصلحتها. أما التصعيد الكلامي فيضعه في خانة التهويل لسببين: الاول الحؤول دون أي تقارب بين الكوريتين قد ينعكس على التواجد الاميركي في المنطقة. والثاني، تبرير نشر منظومات صاروخية أميركية مع رادار يتيح التجسس على الصين. وهي تكون بذلك إذا، جزءا من استراتيجية الاستدارة نحو آسيا، التي ما زالت حية ترزق وتركل بعنف على ما يبدو، ولكن بأساليب مختلفة. والهدف، محاولة الحصول على دور أميركي مسيطر في منطقة هي الأسرع نموا في العالم اليوم.

الأهداف إذا قد تكون، كما كانت دوما، أبعد من كوريا. ولكن هذا لا ينفي أن الأشهر المقبلة قد تكون قاتمة. وفي هذا الاطار ينصح الكاتب بول آتوود باعتماد سياسة عاقلة وحيدة برأيه، تقوم على أساس محادثات ديبلوماسية بين الكوريتين والصين وروسيا وأميركا، مع التزام أميركي بتوقيع معاهدة رسمية هذه المرة، تسحب بموجبها قواتها مقابل تفكيك كوريا لبرنامجها النووي باشراف صيني وروسي. 

قيل كثيرا إن باراك أوباما كان قد حذّر دونالد ترامب من أن كوريا الشمالية ستشكل التحدي الابرز بالنسبة الى عهده، ونقلت «نيويوركر» قول الرئيس الحالي لبعض مستشاريه إنه سيتم الحكم عليه بناء على طريقة تعامله مع هذا الملف بالذات. فهل يعني ذلك أن الفعل وردود الفعل محسوبة في الخفاء أكثر مما يظهر للعلن؟ وماذا عن الطرف المقابل؟ هل ثمة ما يدور في الخفاء هناك أيضا أكثر مما يبدو للعلن؟

هنا نظرية تقول بأن اندفاعة كيم نحو التصعيد لا تقف عند حدود رد الفعل، بل ثمة من يشجعه بل ويدفعه الى ذلك. الاشارة هنا الى الدب الروسي الذي يتحرك على ايقاع مخاوف وأهداف تبدأ من ما ذكرناه سابقا، وقد لا تنتهي بمحاولة توريط أميركا في حرب تستنزفها وتفجر كل تناقضاتها الداخلية، بما ينعكس بالتأكيد على دورها العالمي. علما أنه إذا ما تم فعلا استخدام الاسلحة النووية التكتيكية، سوف تتغير قواعد اللعبة العسكرية العالمية برمتها. قد يوصف ذلك بالرهان الطموح جدا، لكن دونه وقبله أهداف استراتيجية تلتقي معها الصين، وتتمثل برغبة في التوصل الى اتفاقية في شبه الجزيرة الكورية غايتها الاساس انسحاب عسكري أميركي من المنطقة. ذلك أن أميركا الآن لم تعد كما كانت قبل سبعين عاما، وكذلك الصين. وميزان القوى الذي أشار اليه وزير خارجية بيونغ يانغ أضحى مختلفا على الصعد العسكرية والاقتصادية، وما يستتبعها. 

كل العيون إذاً، ليست فقط على بيونغ يانغ بل أيضا على موسكو، والى حد ما بكين.

ملاحظة: رابط المقال كما ورد في جريدة المستقبل:

http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=750101

Leave a Reply