تركيا: “قلوب ملآنة”؟

يُقال ان فتاة على عتبة الزواج لم تكن ترُق لوالدة زوجها، وفي يوم الزفاف، وكما جرت العادة في غارب الايام، وضعت الوالدة ثمرة رمان على عتبة المنزل، لكي تدوس العروس عليها، في خطوة ترمز الى سحق عيون الحساد. وما ان داست الفتاة على الثمرة، حتى فاحت رائحة العفن، فبادرت الى القول: “مش رمانة، قلوب مليانة”!

 في تركيا، مظاهرات ومواجهات تسلطت عليها أنظارالعالم، وانتقدت طريقة التعاطي معها الكثير من المنظمات والدول، ووصل البعض الى حد اطلاق تسمية “الربيع التركي” عليها.

السبب المباشر للاعتصامات التي تلتها المظاهرات والاشتباكات، قرار بقطع بضعة أشجار حديقة عامة، في إطار خطط حكومية. لكن الاتجاه الذي أخذته الاحتجاجات، واستخدام ما “وُصف بالقوة المفرطة”لتفريقها، يوحي بان وراء الاكمة ما ورائها.

يجمع المراقبون على ان رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، كان عراب تحول بنيوي في تركيا، جعلها تضع أزماتها الاقتصادية خلفها في زمن قياسي، وأدخلها في خانة أسرع الدول نموا في أوروبا. وتكفي الاشارة الى ان حصة الفرد من الدخل القومي تضاعفت ثلاث مرات، منذ وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم.

قام اردوغان بعدد من المشاريع التنموية منذ كان رئيسا للبلدية، وحتى اليوم. حارب الفساد، نظّف البحر، رمم الكنائس والجوامع، وحول عشوائيات في اسطنبول الى مراكز أعمال. مشاريع لم تعجب كافة أطياف المجتمع، وأدت الى اتهامه بتغيير معالم المدينة. ولكنها من دون شك، خلقت نهضة زادت من شعبيته لدى شرائح كبيرة في المجتمع التركي. شرائح “توعد” أردوغان المتظاهرين بها، فيما بدا استعراضا لقوة “اكثرية عددية”.

الاكثرية العددية أعطت الحزب الحاكم في السنوات الماضية، فرصة تمرير قوانين وتشريعات، دون العودة الى مكونات المجتمع المدني. بالنسبة للمواطن العادي، كل تحسن طرأ على حياته اليومية كان مرحبا به، لكن العمل على تغيير “أسلوب عيشه”، لم يمر مرور الكرام عند البعض، على ما يبدو، فانضموا بشكل عفوي الى المظاهرات الأخيرة. وهذا ما أعطاها بعدا حاول معارضوا اردوغان، من أحفاد أتاتورك، إلقاء الضوء عليه وإبرازه.

على كل، هي ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها أتراك الى التظاهر في مواجهة سياسات أردوغان. فقد شهدت بدايات حكمه مظاهرات ضخمة، وتعرض بعدها لمحاولتي اغتيال، عدا عن محاولات انقلاب. لكنه تمكن رغم ذلك، من المحافظة على صورة ” القائد المتواضع المحبوب”. المواجهات الأخيرة ستترك بالتأكيد أثرا سلبيا على هذه الصورة. وذلك بعدما رجحت كفة الانفعال لدى اردوغان، على كفة البراغماتية الموصوف بها. لقد اتسم خطابه بالغضب. أما وصفه المتظاهرين ب”الرعاع”، وتويتر ب”اللعنة”، و المظاهرات “بمعركة ايديولوجية” موجهة ضده شخصيا، فقد أعطى معارضيه فرصة لمقارنته”بديكتاتوريي العصر”.

لقد صبت تصريحات اردوغان المتتالية، الزيت على نار المواجهات، الحامية أصلا بفعل “الافراط في استخدام القوة”. وعكست صراعا حقيقيا على “الهوية” في تركيا، يتخطى كونه “رمانة”، ويرقى الى مستوى “القلوب المليانة”. لكن وصفه ب “ربيع تركي” فيه الكثير من المغالاة لاسباب كثيرة، أبرزها أن صناديق الاقتراع (الحقيقية) هي من أعاد اردوغان الى الحكم أكثر من مرة، وأمامها سيحاسب. ولأن بنية الدولة التركية، أقوى من ان تهزها موجة احتجاجات، تبقى محدودة رغم ضخامتها.

ختاما لا بد من الاشارة الى بعض الاصوات “العاقلة” في خضم ما يجري. ولعل أبرزها، تصريحات الرئيس التركي، عبدالله غل. لقد تحدث غل، عن ضرورة احترام الرأي الآخر، وعن حق الاتراك بالتظاهر. ورأى ان الديمقراطية لا تُختصر بالانتخابات فقط، مضيفا انه لحظ “وجهات نظر نابعة من نوايا طيبة”، وقال إن”الرسالة وصلت”. يبقى السؤال كيف سيقرأ رئيس وزرائه الرسالة؟ وهل سيساعده هواء المغرب على تنفيذ ما نصح به قبيل صعوده الى الطائرة وهو “الهدوء والاسترخاء بهدف التغلب على كل هذا”؟.

4 thoughts on “تركيا: “قلوب ملآنة”؟

  1. و الله انه تحليل بروح الفنان و انامل الرسام و دقة المتابع بامعان، لا تنقص كتاباتك عن اطلالاتك ابداعا، بالتوفيق

  2. تركيا دوله متطوره ,يسودها جو ديمقراطي .. وهي قوه اقتصاديه لا يستهان بها ! لكن , توجهها السياسي والعسكري والايديولوجي فيه ازدواجيه ! والاتفاق على وقف
    اطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني..ثمره صفقه صلح مع اسرائيل

  3. اوافقك الرأي سيدتيو لكن دعنا نتطرق للنقاط الاتية:
    ١- ان اسوء نتيجه يمكن ان تصل اليها المظاهرات في تركيا او ما يسمونه الربيع التركي ، باجراء انتخابات مبكرة او فرض قانون الطوارئ و ان يتدخل الجيش التركي حامي العلمانية كما يحب ان يسمى ، رغم امتناع اردوغان
    ٢- ان ما سوف تؤول اليه المظاهرات قد يستغلها الحزب الحاكم سياسيا لصالحه، حيث انه حسن صورة تركيا سياسيا في الخارج في الاونه الاخيرة
    ٣- غياب اي معارضين ذوي ثقل سياسي او عسكري في الساحه التركية ، حيث قام اردوغان باقصاءهم و واحالتهم للمحاكم تحت مسمى محاولات انقلاب او ويل من هيبة الدوله
    ٤- الغرب و الولايات المتحدة الامريكيةيرغبون بتركيا كعميل لهم في الشرق الاوسط لا كحليف. وظهر ذلك جليا في الازمه السورية و من الزيارات المتبادلة بين اردوغان واوباما
    ٥-في حاله سقوط تركيا كغيرها من الدول و الانظمه العربيه فالغرب لن يقبل بذلك للاسباب التاليه
    1-تركيا في خط النار في مواجه يقظه الدب الروسي و احياء محاولاته في. الوصول للمياه الدافئة
    2- التاريخ يذكرنا بمساعدات الغرب للحيلولة دون سقوط الدولة التركية نذكر منها مساعدته لتركيا العثمانية في التصدي لمحمد علي باشا في حملته على بلاد الشام و الاناضول، و دعمهم للسلطنه العثمانية في حرب القرم ضد روسيا القيصرية و محاولتها استعادة القرم، و اخيرا وليس اخراً في دعمهم السياسي و العسكري للجمهورية الفتية اثناء تأسيسها على يد مصطفى كمال اتاتورك لتصدي للمد الشيوعي اللينيني في بدايات القرن العشرين،

Leave a Reply