الاتفاق النووي الإيراني وعاصفة ترامب

انسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، أم لا انسحاب. مصادقة عليه، أم لا مصادقة؟ أتكمن المشكلة في آلية تنفيذ طهران بنود الاتفاق أو في عدم احترامها لروحيته؟ لُبّ الإشكالية اتفاق نووي أم سلوك النظام بحد ذاته في ملفات أخرى؟ كلها تساؤلات تملأ فضاء ما قال الرئيس الأميركي إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. والعاصفة منتظرة قريباً فما هي السيناريوات المتوقعة؟

قبل الدخول في تلك السناريوات، مرور سريع على بعض المواقف من الاتفاق نفسه، وهو كان منذ حملة ترامب الانتخابية موضع نقد مستمر، ووصل الأمر حد وصفه على لسان الرئيس أمام الأمم المتحدة بالمخجل، وبأنه واحد من أسوأ الاتفاقات التي عقدتها الولايات المتحدة. يرى معارضو الاتفاق، أن المشكلة الأساسية تكمن في السقف الزمني الموضوع له، فالعيب برأي وزير الخارجية يكمن في الروزنامة. وللتوضيح، فإن الاتفاق يحوي أحكاماً تحدد وقتاً لرفع القيود المفروضة على برنامج إيران النووي، يرى فيها بعض النقاد طريقاً لحيازة طهران السلاح النووي في نهاية المطاف. وهو أمر يُشكل مصدر قلق عبّر عنه بنيامين نتنياهو أيضاً في أكثر من مناسبة.

على هذه النقطة يعلّق المدافعون عن الاتفاق في أميركا بالقول إن السقف الزمني وما بعده محكوم بالمراقبة الدولية للبرنامج النووي، فالعمل فيه يجري تحت أعين المجتمع الدولي، والاتفاق يُلزم طهران إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنيّتها إنشاء أي منشأة نووية، حتى بعد انتهاء المُهل. وقد شبّه أحد كتّاب «الفورين أفيرز» أي انسحاب أميركي من الاتفاق بسبب السقف الزمني، بمن يُقدم على الانتحار خوفاً من الموت.

هل اتخذت الإدارة الأميركية قرارها ولم يبق سوى الإعلان عنه بعد أيام قليلة أو ساعات؟ أم أن الأمر لم يُحسم بعد رغم بعض الإيحاءات بحتمية الانسحاب؟ المرجح في هذا الإطار هو ما أشارت إليه صحيفة النيويورك تايمز من أن ترامب لن يصدّق على الاتفاق النووي في الخامس عشر من الشهر الجاري، لكنه في الوقت نفسه لن يلغيه. 

المخرج الذي يتم العمل عليه هو في وضع استراتيجية أميركية أوسع إزاء إيران، تحفظ للرئيس ماء الوجه عند اضطراره كل ثلاثة أشهر مراجعة اتفاق ما انفك ينتقده ويعارضه. ويُقال إن هذه الاستراتيجية قد تصل حد اتخاذ إجراءات تفتح باب المواجهة مع إيران وأذرعتها. انطلاقاً من نظرية لخصها أحد المسؤولين في الخارجية بالقول: «كان من المتوقع من الاتفاق أن يساهم في الأمن والسلام، لكن النظام الإيراني يقوّض الاثنين». وفي هذا الإطار، توقعت صحيفة التايمز مواجهة مقبلة مع إيران بعد أن «عزز الاتفاق نشاطاتها العدائية عوض أن يجعل منها قوة سلام في العالم». ورأى المقال أن المطلوب هو ضرب الاتفاق من دون القضاء عليه كلياً.

هل هذا ممكن؟ 

رغم كل الدخان الذي يملأ الأجواء ويتحدث عن سلبيات الاتفاق، أعلن وزير الدفاع الاميركي قبل أيام أمام الكونغرس أنه يبقى في صالح الأمن القومي الأميركي. ومن المعروف أنه في حال عدم المصادقة على الاتفاق، يبقى أمام الكونغرس ستون يوماً لإعادة فرض العقوبات، ما يفتح هامشاً لحرية الحركة، ليس فقط في الداخل الأميركي، بل أيضاً بين الدول الست الكبرى المشاركة بالاتفاق، وأبرزها الشريك الأوروبي لأميركا. 

الدول الأوروبية كانت وُصفت بالرابح الأكبر من وراء الاتفاق النووي مع إيران على الصعيد الاقتصادي أولاً، وعلى مستوى التعاون في ملف الأمن الإقليمي ثانياً. وقد صدرت تصريحات من دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تركز على ضرورة الحفاظ على الاتفاق، والدفع به نحو مزيد من التعاون والحوار، فهل تستمر في العمل على تحقيق ذلك بمعزل عن أي انسحاب أميركي محتمل؟ وحينها كيف سيتم التوفيق بين ذلك وعدم المساس بالعلاقة مع أميركا؟ من هنا يرتفع سقف التوقعات بأن تلعب تلك الدول دوراً بمحاولة التأثير على قرارات الإدارة الإميركية من جهة، وبالعمل على احتمال تعديل بعض بنود الاتفاق من جهة أخرى. وقد يساعد على ذلك، التمسك الإيراني بالاتفاق الذي شكل متنفساً لاقتصاد قد تصل صادراته من المواد غير النفطية هذا العام إلى ثمانية وستين مليار دولار، في الوقت الذي يفخر فيه الرئيس الإيراني بتراجع نسب البطالة بين الشباب الإيراني. 

ايران كانت تمسكت في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول بالاتفاق، وقالت إنها ستلتزم به ولو انسحب الأميركيون إذا ما استمرت الأطراف الدولية الأخرى به. ومواقف الصين وروسيا معروفة في هذا الإطار، وهي التي لم تقطع خيوطها أصلاً مع طهران، وقد أعلن الرئيس بوتين مؤخراً الحرص على دعم الاتفاق. ومع أن العين على بريطانيا لمعرفة إذا ما كانت ستحذو حذو الولايات المتحدة في أي قرار تتخذه، فإن للدول الأوروبية مصلحة في أن يبقى الاتفاق النووي حياً يركل. ومن هنا يصبح التخوف بحسب مراقبين أن يُخرج أي انسحاب أميركي الولايات المتحدة نفسها من المعادلة، ويضعها في زاوية الطرف الذي لم يفِ بالتزاماته، ما ينعكس سلباً على صورتها وهيبتها العالمية. 

أخيراً، هل تملك الإدارة الأميركية بديلاً للتعامل مع الملف النووي؟ بعض المحللين يقترحون حلولاً مثل تشجيع اتفاقيات مشتركة بين إيران ودول أخرى بشكل يضمن بقاء برنامج إيران النووي في الإطار السلمي. وهنا يصبح التعامل معها شبيه بالتعامل مع دول أخرى امتلكت تلك التقنيات مثل اليابان. لكن الأمر يتعقد عند النظر الى ما هو أبعد من الاتفاق النووي، وعند التفكير بأن وراء الأكمة ما وراءها، وبأن التصويب على البرنامج النووي، فيما العين على النظام نفسه.

رابط المقال كما نُشر أولا على صحيفة المستقبل:

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=751057