خطة طريق بوتين السورية.. تسوية شاملة أم «التقاط أنفاس»؟

 

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=752290

رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة خطة مستقبلية للخروج من الأزمة السورية، وتحدث خلال منتدى فالداي للحوار الذي عُقد في سوتشي، عن ما يمكن أن يسمى بـ«خريطة طريق» تتطلب تعاون مختلف أطراف النزاع.

تنطلق الخطة بحسب بوتين من مناطق خفض التصعيد. من هناك يقترح أن تنطلق بعد دحر «داعش» الذي قال بحذر إنه بات قريباً، مرحلةٌ ثانية قوامها تشكيل ما أسماه مجلس عموم شعبياً (People’s Congress) يضم كل الاثنيات والمذاهب وأطياف المعارضة والنظام. هذا المجلس سيفتح الطريق برأيه أمام تسوية سياسية شاملة إذا ما تم بدعم ورعاية من الأطراف الإقليمية، مسمياً بالتحديد السعودية ومصر. وإذا ما تكلل ذلك بالنجاح، يصبح ممكناً الانطلاق إلى المرحلة الثالثة المتمثلة بالتحضير لدستور جديد للبلاد.

هل يمكن التوقف عند هذه الخطة وإمكانية البناء عليها؟ بالتأكيد ولأكثر من سبب، أبرزها أولاً أن بوتين نجح في فرض نفسه طرفاً أساسياً في الحرب السورية وثبّت أقدامه على الأرض هناك في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الغربية الأخرى تتخبط في سياساتها وأولوياتها. وثانياً، التطورات الميدانية على الأرض وأهمها الهزائم المتلاحقة لـ«داعش»، وثالثاً حالة الإنهاك وانعدام الأفق التي قد تدفع أطراف الأزمة إلى البحث عن حلول واقعية ممكنة، ورابعاً شمول الخطة أطرافاً فاعلة غابت عن الآستانة. إلا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطريق معبّدة أمام تنفيذ خطة طموحة من هذا النوع، وتبقى دونها عقبات كأداء.

مصدر مصري مسؤول رأى في المقترح الروسي ضغطاً على مصر والسعودية باتجاه مزيد من العمل على توحيد أطياف المعارضة، معتبراً في حديث لـ«المستقبل» أن مصر كانت منذ البداية تدفع في هذا الاتجاه من خلال مؤتمر القاهرة. وحالياً، تحاول موسكو برأيه أن تكون ضابط ايقاع يوازن بين مختلف أطراف الأزمة. وهنا يجب على مصر والسعودية والإمارات أن تتفاهم وتشكل كتلة وازنة، بإمكانها أن تؤثر وتشكل عاملاً محدِّداً، إذا ما اتفقت على رؤية يمكن تقديمها للروس من منطلق واقعي قوي نسبياً يريد الوصول إلى حلول. لكنه أشار إلى ضرورة عدم التخلي عن مؤتمر جنيف، لأن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن مسألة ضرورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. 

رئيس تحرير صحيفة «الرياض بوست» سلطان السعد القحطاني قال لـ«المستقبل» إن هناك قناعة سعودية على مستوى رفيع تدعم فكرة المناطق الآمنة في سوريا كمنطلق أساسي في حل الملف السوري عبر مراحل عدة، كما أن لموسكو تواجداً قوياً في المعادلة لا يمكن تجاهله، وهواجس من الدور الغربي. على هذا الأساس نشهد تعاوناً سعودياً روسياً يهدف إلى تقريب وجهات النظر والبناء عليها، خصوصاً أن روسيا تبدو أكثر مرونة حيال ايجاد بديل للأسد على أن يحظى بمباركتها. وبرأي القحطاني، فإن الدور الروسي ـ السعودي سيؤدي إلى خروج تركيا وقطر من المعادلة وضبط إيقاع إيران، وأن الحل لن يأتي عن طريق مؤتمرات السلام لاختلافات كثيرة في رأي المعارضة، لكنه قد يُفرض فرضاً من قبل ثلاث عواصم هي: موسكو وواشنطن والرياض. مشيراً إلى الرغبة الأميركية ـ السعودية بإخراج إيران وحلفائها من سوريا والعراق.

إيران كانت ربطت صراحة أمنها بأمن سوريا، ودفعت وما زالت تدفع الغالي والرخيص مقابل نفوذها هناك. الرهان لدى العديد من المحللين الأميركيين يبقى على أن تقوم روسيا بالحد من هذا النفوذ. إلا أن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، يرى أن هذا أمر مشكوك فيه نظراً للمصالح الروسية – الإيرانية الكبيرة في القوقاز وآسيا الوسطى. ويضيف في مقال له في الـ«فورين أفيرز» أن واشنطن وتل أبيب «أخذتا قرارهما منذ سنين عندما سمحتا ببقاء الأسد في السلطة، الآن لا مفر من السماح بنفوذ إيراني في سوريا». إلا أن السؤال يبقى عن حجم هذا النفوذ وحدوده إذا ما كانت هناك إرادة فعلية للتوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع. 

أما في ما يتعلق بتركيا فإنها بحسب أحد المراقبين ما زالت متمسكة بما تبقى لها من أوراق على الأرض في سوريا، وسوف تتجه إلى مزيد من التشدد أو حتى عرقلة أي جهود لتوحيد مجموعات المعارضة السورية، ما لم تحصل على ضمانات بدور في الحل السياسي، وبعدم قيام كيان كردي سوري. 

الطرف الأوروبي الذي خرج عملياً من المعادلة بعد فشل إطار فيينا للحل، يحاول العودة عبر دعوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من بروكسيل الى انتقال سياسي متفاوض عليه بات ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. وهو في هذا الإطار اقترح «حكومة شاملة» في المناطق المحررة من «داعش» وأولها الرقة، تحترم جميع الطوائف وتستعيد الحياة الطبيعية. دعوة تلتقي مع الخطة الروسية، بعد فشل محاولة سابقة لماكرون لعقد اجتماع لمجموعة اتصال تجمع طرفي النزاع والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وباقي الدول المعنية، بعد اعتراض لاقته من واشنطن.

أجواء توحي بمباركة إقليمية ودولية محتملة لخطة بوتين الطموحة؟ ربما، هل تكفي؟ لا، ما لم يتم ايجاد حلول لمعضلات عدة على الأرض، وهذه بعض الأمثلة:

صحيح أن روسيا نجحت بعد سقوط حلب ومؤتمر الآستانة بإقامة أربع مناطق منخفضة التصعيد، إلا أن النجاح ليس كاملاً. فوقف إطلاق النار ما زال يعاني من خروق، وهناك انتقائية في احترامه على وقع خطط عسكرية، فإذا ما أرادت موسكو لمرحلة ثانية أن تبدأ، عليها أولاً فرض احترام أسس المرحلة الأولى. أضف إلى ذلك الموزاييك المتنوع من قوى موجودة على الأرض مدعومة من جهات عديدة، ما زال نظام الأسد يرفض حتى الاعتراف بها، وترفض هي بالمقابل التعامل معه بأي شكل من الأشكال. ماذا عن ضمان أمن وحرية المدنيين في اختيار ممثليهم لأي مجلس عموم مقترح؟ وماذا عن صلاحيات تُعطى لهؤلاء بضمانات؟ أيضاً، هناك التحديات الاقتصادية التي تفرض نفسها لعودة عجلة الحياة اليومية إلى الدوران في المناطق التي تلحظها الخطة، هل تنتظر البنى التحتية التي دُّمرت التسوية النهائية أم أن تأمين الحد الأدنى من ماء وغذاء وطبابة ممكن، وكيف؟ ما مدى واقعية الحديث عن عودة للنازحين واللاجئين وشبح الأسد ما زال جاثماً في دمشق؟ 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مرحلة جديدة في سوريا ستدعم فيها الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية وتعمل على خفض مستوى العنف وتهيئة الظروف المناسبة لسلام دائم بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، وصولاً إلى انتقال سياسي يحترم إرادة الشعب السوري. كلام يتقاطع هو الآخر مع خطة بوتين إذا ما تم الاتفاق على تفاصيل عادة ما تكمن الشياطين فيها. فهل من تناغم فعلي في هذا الإطار بين الرئيسين؟

بوتين كان اعتبر أنه أخطأ عندما وثق في الغرب أكثر مما ينبغي، فهل سيثق بالأطراف المعنية بالأزمة السورية كفاية وتثق هي به بالمقابل لإنجاح خطته؟ وهل تكون الأهداف المضمرة أكبر من المعلن عنها؟ يرى روبرت فيسك في الـ«اندبندنت» أن بوتين لا يحاول أن يحل مشاكل المنطقة بغض النظر عما يقول. وأنه ما زال يخاطر في سوريا، ويتلاعب بشعوب المنطقة، بهدف ترسيخ روسيا في الشرق الأوسط بشكل يصبح معه من الصعب على أي أحد أن يُقدم على أي شيء من دون التفكير برد فعل بوتين، مطلقاً على ذلك اسم «القوة السياسية». 

هل هي قوة سياسية أم أحلام قيصرية في زمن متعولم يحتاج إلى طي صفحة الفوضى وحد أدنى من الاستقرار؟ وهل أضحى البحث عن حل للأزمة السورية ترفاً لترسيخ تلك القوة أم ضرورة للخروج من عنق الزجاجة؟ وهنا يمكن لنا أن نتخيل حجم المأزق الكبير لبوتين من دون تسوية سياسية في سوريا. فهل وصلت الأطراف جميعها إلى حالة من الإنهاك قد تدفعها إلى التقاط المقترح القادم من سوتشي ولو كان الهدف التقاط الأنفاس؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك.

شرق أوسط يرقص على إيقاع ترامب

مما لا شك فيه أننا نعيش مرحلة انتقالية صعبة. الأسئلة كثيرة والاحتمالات المطروحة على طاولة النقاش مقلقة. وإذا كان هناك شبه إجماع على التخوف من إتجاه الأمور نحو مزيد من التصعيد، يبقى السؤال الى أي مدى؟ وأين؟ وكيف؟  وهل أن المخاوف من وصول النار الى الداخل اللبناني قريبا في محلها؟

المشهد مترابط، يتقاطع فيه المحلي مع الاقليمي والدولي بشكل وثيق، والممسك بخيط اللعبة الأساسي هو الأميركي العائد الى المنطقة بقوة بعد تراجع أتاح للاعب الروسي إمكانية تمكين خيوطه، فيما تجد الأطراف الاقليمية نفسها منخرطة حتى الثمالة في صراع يحدد المصير…

الرابط التالي يأخذكم الى ملف كتبته عن الموضوع وتم نشره في صحيفة المستقبل اللبنانية، آتمنى متابعة تعليقاتكم حوله

http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=737415

رسالة “أمل” بدور عربي محدِّد؟

تركزت أنظار العالم خلال الشهر الماضي على “اليمن التعيس”، بعيد قيام التحالف الذي تشكل من دول سنية بقيادة المملكة العربية السعودية بعملية “عاصفة الحزم”. صحيح أن العملية سلطت بقعة ضوء كبيرة على البلد الافقر في العالم العربي، لكن الصراع هناك قديم، تواجهت فيه أطراف عديدة غيرت مواقعها أكثر من مرة، وبقي متروكا لمصيره.

إلا أن التطورات التي شهدتها السنوات الاخيرة في منطقة الشرق الأوسط، رسخت صورة ما يجري على أرض اليمن بوصفه صراعا إقليميا بالواسطة. وذلك بعد تمدد النفوذ الاقليمي لايران، عبر دعمها لأطراف داخلية، ووصوله الى الحديقة الخلفية للسعودية. نفوذ واجهته المملكة عسكريا للمرة الأولى في البحرين ضمن قوات درع الجزيرة، ومرة ثانية على رأس تحالف سني واسع من مشرق العالم الى مغربه، في اليمن. دون أن نغفل مواجهته بشكل غير مباشر في سوريا ولبنان والعراق.

تنافس اقليمي غير مسبوق في التاريخ الحديث اذا، استدعى تحولا استراتيجيا في السياسة السعودية. لم يعد الاتكال معه بالكامل على ما سمي القرن الماضي بالمظلة الامنية الغربية ( البريطانية أولا ومن ثم الأميركية)، بل تم اللجوء الى استخدام القدرات العسكرية الذاتية للذود عن الأمن القومي، بدعم من دول وأطراف تستشعر هي الأخرى خطر تمدد النفوذ الايراني. خاصة في ظل سياسة أميركا المعلنة بالتوجه شرقا نحو الباسفيك، والتي تُرجمت اكتفاء بالسيطرة من الجو في الشرق الاوسط، وانسحابا من أرض معاركه، بعدما قلّ الاهتمام بنفطه، مع ازدياد التنبه الى صعود الصين.

في ظل ذلك، قد تكون أحداث اليمن عاملا دقّ جرس انذار بان الامن القومي في خطر مع التحولات التي تمر بها المنطقة. وأنه في زمن التحولات هذا يصح المثل القائل “ما حك جلدك مثل ظفرك”. ولكن يجب أيضا عدم إسقاط عامل رئيسي آخر من الحسبان. ففي الوقت الذي وصل فيه الحوثيون (المدعومون إيرانيا) الى أبواب عدن، كانت المفاوضات في لوزان بين دول الخمسة زائد واحد وإيران، قد حققت تقدما أدى في نهاية المطاف الى اتفاق إطار، من شأنه ( إذا ما وصل الى خواتيمه بالتوقيع على اتفاق نهائي ) أن ينهي عزلة دولية عانت منها طهران عقودا، ويعزز بالتالي موقعها ونفوذها ودورها الاقليمي على الساحة الدولية.

وعلى الرغم من التصريحات والتأكيدات بعيد الاتفاق المذكور على أنه يقتصر على الملف النووي، إلا أن الرئيس الأميركي “باراك أوباما” قطع الشك باليقين عندما قال صراحة في مقابلته مع صحيفة النيويورك تايمز، إن من شأن أي اتفاق نهائي أن يشكل بداية علاقة جديدة بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية. داعيا الايرانيين الى الاختيار بين بقائهم معزولين عن العالم، أو التحول الى “منارة” الشرق الأوسط. ومن هنا، يمكن تفهم القلق الطبيعي لدى جيران ايران في المنطقة، من أن ينعكس أي تقدم في الملف النووي، زيادة في رصيد القوة الاقليمية للدولة الفارسية.

في ظل هذه الأجواء، أتت عاصفة الحزم لتقول كما ذكرنا في مقال سابق: “نحن هنا”. وقد سجلت أولى النجاحات لحظة انطلاقها، حين ذكّرت الاميركيين أنفسهم بهوية “الحلفاء التقليديين” في المنطقة، واضطرتهم الى الوقوف في صفها بطبيعة الحال، ولو كان الدعم لوجستيا فقط. وحين قلبت المعادلات على الأرض، ووضعت حدا لتقدم الحوثيين، ذكّرت الاميركيين والايرانيين على حد سواء، بان العرب أيضا يمسكون بالعديد من أوراق اللعبة، بشكل يتيح لهم الجلوس على طاولة حوار تقرر مصير المنطقة ومستقبلها.

في المقابل، استمعنا على مدى ثلاثة اسابيع الى عاصفة من الانتقادات والتصريحات النارية الايرانية، التي وصلت على لسان المرشد نفسه حد القول “ستمرغ أنوفهم في التراب”. وحين أعلنت السعودية انتهاء عملية عاصفة الحزم، وبداية أخرى أطلقت عليها اسم إعادة الأمل، سارع رئيس مجلس الشورى الاسلامي في إيران “علي لاريجاني” الى وصف ما سمته السعودية نجاحا في تحقيق الأهداف، بالهزيمة النكراء. قائلا إن السعودية “توهمت انه بامكانها عبر التدخل العسكري أن تهيمن لرفع قدراتها في مرحلة التفاوض لكسب تنازلات”.

عن أي تفاوض كان يتحدث لاريجاني؟ هل يقف الموضوع عند حدود اليمن وإعادة الأطراف الى طاولة الحوار هناك؟ أم أن هناك تفاوضا أوسع وأشمل، يجري أصلا بوسائل مختلفة؟ على الأرجح أن تكون أحداث اليمن بكل تعقيداتها، جزءا يسيرا من عملية تفاوض أشمل، بدأت وستستمر بالحوار حينا وبالدم أحيانا. واذا ما كان من طاولة حوار لا بد وأن تعقد عاجلا أم آجلا، فان ما نشهده الآن قد يكون مقدمة لتحديد هوية قائمة المدعوين اليها، بعدما أصبحت “لائحة الطعام” معروفة، من اليمن الى سوريا مرورا بالعراق.

وحينها يصبح السؤال: هل ينجح العرب عبر تحالف تشكل السعودية مركز ثقله، في فرض أنفسهم كلاعب أساسي في الساحة الاقليمية؟ وأي دور يمكن أن يعطيهم “المايسترو الأميركي” الممسك بزمام اللعبة حتى الآن على ما يبدو؟ قد يكون الامتحان في سوريا بعد الاستعراض في اليمن. وهنا قد تتعزز الفرص بتقاطع المصالح مع تركيا من جهة، وبم أتى على لسان أوباما ( في المقابلة التي أشرنا اليها سابقا) حين تساءل، لماذا لا يواجه العرب الاسد عسكريا، من جهة أخرى.

على كل، ربما يشكل اعلان انتهاء عاصفة الحزم في اليمن، والاستعاضة عنها باعادة الأمل، رسالة عربية تؤكد الرغبة باختيار الحوار والتفاوض سبيلا بدل الحروب. فكيف ستخط طهران الجواب على تلك الرسالة؟

باكستان وتحالف السُّنة: هل يبقى الحزم ولو تلاشت العاصفة؟

تتزامن كتابة هذه السطور مع زيارة وفد باكستاني رفيع المستوى الى المملكة العربية السعودية. سبق الوفد، الذي يرأسه وزير الدفاع ومسؤول العلاقات الخارجية، حوالي ثمانمئة من العناصر العسكرية الباكستانية غير القتالية، تنتظر تحديد مهامها. هي طبعا ليست المرة الاولى التي يتواجد فيها عسكريون باكستانيون على الاراضي السعودية، فالتعاون الدفاعي تاريخي ووثيق بين البلدين منذ عقود. لكن الجديد هذه المرة، هو كونها جزء من تحالف “سنّي” عريض، يتفق المراقبون على أن تشكيله أتى لمواجهة النفوذ الايراني”الشيعي” المتزايد.

ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه باكستان في هذا التحالف؟ وما نوع الدعم الذي ستطلبه السعودية منها هذه المرة؟ وهل يصل فعلا الى حد ارسال قوات للمشاركة في عملية “عاصفة الحزم”، كما نقلت رويترز عن مسؤول حكومي وصفته بالكبير؟ الأكيد ان الوفد اجتمع عشية سفره برئيس الوزراء نواز شريف، الذي اكد التزام بلاده “بمساندة السعودية وسلامة أراضيها، وبآداء دور جوهري في وقف تدهور الوضع في الشرق الاوسط”.

وبين شريف والمملكة علاقات خاصة، فقد كانت بيته الثاني عندما تم نفيه عام ١٩٩٩، والى ذلك عزا بعض المحللين “الهبّة” الباكستانية الحالية للوقوف بجانب السعودية. لكن حقيقة الأمر أن ما يجمع البلدين أكبر بكثير من علاقات شخصية، والتقارب الذي يتميز بالعمق، طابعه سياسي وعسكري وإيديولوجي، من دون أن ننسى الناحية المالية.( تعتبر السعودية من أهم ممولي باكستان وبحسب رويترز وصلت قيمة آخر هباتها الى مليار ونصف المليار دولار).

مقابل ذلك، اتسمت العلاقات الباكستانية مع الجارة إيران بالتوتر في كثير من الأحيان. من الصراع على الحدود الى الاتهامات المتبادلة بدعم وتسليح جماعات متطرفة. ( سنية داخل ايران، شيعية وبلوشية داخل باكستان ). وليس خافيا على أحد ان باكستان ضياء الحق، كانت لاعبا قويا على الساحة الأفغانية، ومدّت نظام طالبان بالدعم. إلا أن سقوط نظام طالبان (السنّي) في أفغانستان من ناحية، وسقوط نظام صدام حسين (السنّي أيضا) في العراق من ناحية أخرى، خلق فراغا ملأته الجمهورية الاسلامية الايرانية ( الشيعية)، في الحديقة الخلفية لباكستان ( حيث غالبية سنّية وأقلية شيعية).

وفوق هذا وذاك، تقارب أميركي إيراني يلوح في الأفق، مع حديث عن امكانية التوصل الى اتفاق إطار في الملف النووي، يأتي بعد ازدياد في التعاون الايراني مع “الجارة اللدود” الهند. حراك على وقع حروب تخوضها باكستان على “الارهاب” في ساحتها الداخلية. وهناك، تتعالى بعض الأصوات المعارضة للمشاركة الباكستانية في “التحالف السنّي” المستجد، مطالبة بتحييد باكستان عن أي صراع سني-شيعي، قد يعرض أمنها للانفجار. وذلك نظرا لوجود حوالي عشرين بالمئة من الباكستانيين “الشيعة” في نسيج المجتمع.

ولكن النقطة الأخيرة التي أشرنا اليها يمكن أن تشكل هي نفسها أحد أسباب الاندفاعة الباكستانية نحو المشاركة وليس العكس. فإيران التي تتشارك حدودا برية واسعة مع باكستان، تسعى الى توسيع نفوذها الاقليمي. ومزيد من النفوذ قد يُترجم نفسه قدرة أكبر على التأثير في الداخل الباكستاني عبر الأقلية الشيعية الموجودة. أضف الى ذلك أن هناك من يرى في الاصرار الايراني على الحصول على القدرة النووية، محاولة لايجاد توازن ما مع باكستان في الدرجة الأولى. وفي هذا الرأي منطق يفرض نفسه، إذا ما تذكرنا أن إيران الشاه هي من بدأ بالمشروع النووي بهدف الحصول على قنبلة ذرية، وحينها كانت العلاقات الايرانية الاسرائيلية على أفضل حال.

إذا، الجغرافية أولا والايديولوجيا ثانيا، عوامل مهمة لا يمكن اسقاطها من أي محاولة لفهم الأرضية التي تقف عليها باكستان حاليا. وهي عوامل تلتقي فيها مع السعودية وغيرها من الدول السنّية المشاركة في التحالف، وتلك الداعمة له. فعلى الرغم من محاولات ايران السابقة لتقديم نفسها كقوة إقليمية تدعم “حركات مقاومة”، الا ان غرقها في مستنقع مواجهات مذهبية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، رسّخها في أذهان العالم “دولة شيعية”، يرمي دعمها للصراعات الموجودة، حطبا على جمر فتنة نامت قرونا.

من هذه المنطلقات لا يمكن لباكستان الا أن تقف في صفوف التحالف. تحالف يقول: “نحن هنا”، وإذا ما تطور الصراع السنّي الشيعي إلى فتنة شاملة، فإن الديمغرافيا وميزان القوى لن يكون عندها الا لصالح “الأغلبية السنّية” في العالم الإسلامي. هل وصلت الرسالة الى إيران؟ وهل تكون أحد الاسباب التي دفعت بمساعد وزير خارجيتها الى القول، من الكويت، بأن لدى بلاده مقترحا لحل الأزمة في اليمن، وبانها تحاول التواصل مع السعودية من أجل التعاون في هذا الشأن؟ تصريح أتى والوفد الباكستاني لم ينه بعد اجتماعاته في الرياض، واستعراض القوة ما زال في أوله.

ويبقى السؤال، هل سنشهد استمرارية للتحالف السنّي يُبقي الحزم حتى ولو تلاشت العاصفة؟ وهل يخلق ذلك توازنا إقليميا في منطقة فُقد فيها التوازن مؤخرا، وتتآكلها الصراعات والفوضى؟ إنها أحجار شطرنج جيوسياسية تُحركها أطراف إقليمية على غير عادة، لكنها غير بعيدة عن رمقة من تحت قبعة العم سام.

فالولايات المتحدة الأميركية تنوي، بحسب مصادر مطلعة، الاستفادة من الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة ( إذا لم تكن تعمل أصلا على تغذيته). وهي سياسة ليست بجديدة، وقد تنبه لها مبكرا الوزير السابق الدكتور جورج قرم، حين لحظ تركيز المناهج الغربية على صراع الاقليات والمذاهب و الطوائف، بدلا من الاهتمام بالدراسات التي تُعنى بالوحدة والقيم المشتركة.

من هذا المنطلق، عندما يتوحد السُنّة في مواجهة الشيعة، يمكن أن يُنتج ذلك حراكا أو بالاحرى تنافسا تنوي الادارة الاميركية ابقاءه تحت سقف سيطرتها، ولو عن بعد.