خطة طريق بوتين السورية.. تسوية شاملة أم «التقاط أنفاس»؟

 

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=752290

رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة خطة مستقبلية للخروج من الأزمة السورية، وتحدث خلال منتدى فالداي للحوار الذي عُقد في سوتشي، عن ما يمكن أن يسمى بـ«خريطة طريق» تتطلب تعاون مختلف أطراف النزاع.

تنطلق الخطة بحسب بوتين من مناطق خفض التصعيد. من هناك يقترح أن تنطلق بعد دحر «داعش» الذي قال بحذر إنه بات قريباً، مرحلةٌ ثانية قوامها تشكيل ما أسماه مجلس عموم شعبياً (People’s Congress) يضم كل الاثنيات والمذاهب وأطياف المعارضة والنظام. هذا المجلس سيفتح الطريق برأيه أمام تسوية سياسية شاملة إذا ما تم بدعم ورعاية من الأطراف الإقليمية، مسمياً بالتحديد السعودية ومصر. وإذا ما تكلل ذلك بالنجاح، يصبح ممكناً الانطلاق إلى المرحلة الثالثة المتمثلة بالتحضير لدستور جديد للبلاد.

هل يمكن التوقف عند هذه الخطة وإمكانية البناء عليها؟ بالتأكيد ولأكثر من سبب، أبرزها أولاً أن بوتين نجح في فرض نفسه طرفاً أساسياً في الحرب السورية وثبّت أقدامه على الأرض هناك في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الغربية الأخرى تتخبط في سياساتها وأولوياتها. وثانياً، التطورات الميدانية على الأرض وأهمها الهزائم المتلاحقة لـ«داعش»، وثالثاً حالة الإنهاك وانعدام الأفق التي قد تدفع أطراف الأزمة إلى البحث عن حلول واقعية ممكنة، ورابعاً شمول الخطة أطرافاً فاعلة غابت عن الآستانة. إلا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطريق معبّدة أمام تنفيذ خطة طموحة من هذا النوع، وتبقى دونها عقبات كأداء.

مصدر مصري مسؤول رأى في المقترح الروسي ضغطاً على مصر والسعودية باتجاه مزيد من العمل على توحيد أطياف المعارضة، معتبراً في حديث لـ«المستقبل» أن مصر كانت منذ البداية تدفع في هذا الاتجاه من خلال مؤتمر القاهرة. وحالياً، تحاول موسكو برأيه أن تكون ضابط ايقاع يوازن بين مختلف أطراف الأزمة. وهنا يجب على مصر والسعودية والإمارات أن تتفاهم وتشكل كتلة وازنة، بإمكانها أن تؤثر وتشكل عاملاً محدِّداً، إذا ما اتفقت على رؤية يمكن تقديمها للروس من منطلق واقعي قوي نسبياً يريد الوصول إلى حلول. لكنه أشار إلى ضرورة عدم التخلي عن مؤتمر جنيف، لأن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن مسألة ضرورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. 

رئيس تحرير صحيفة «الرياض بوست» سلطان السعد القحطاني قال لـ«المستقبل» إن هناك قناعة سعودية على مستوى رفيع تدعم فكرة المناطق الآمنة في سوريا كمنطلق أساسي في حل الملف السوري عبر مراحل عدة، كما أن لموسكو تواجداً قوياً في المعادلة لا يمكن تجاهله، وهواجس من الدور الغربي. على هذا الأساس نشهد تعاوناً سعودياً روسياً يهدف إلى تقريب وجهات النظر والبناء عليها، خصوصاً أن روسيا تبدو أكثر مرونة حيال ايجاد بديل للأسد على أن يحظى بمباركتها. وبرأي القحطاني، فإن الدور الروسي ـ السعودي سيؤدي إلى خروج تركيا وقطر من المعادلة وضبط إيقاع إيران، وأن الحل لن يأتي عن طريق مؤتمرات السلام لاختلافات كثيرة في رأي المعارضة، لكنه قد يُفرض فرضاً من قبل ثلاث عواصم هي: موسكو وواشنطن والرياض. مشيراً إلى الرغبة الأميركية ـ السعودية بإخراج إيران وحلفائها من سوريا والعراق.

إيران كانت ربطت صراحة أمنها بأمن سوريا، ودفعت وما زالت تدفع الغالي والرخيص مقابل نفوذها هناك. الرهان لدى العديد من المحللين الأميركيين يبقى على أن تقوم روسيا بالحد من هذا النفوذ. إلا أن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، يرى أن هذا أمر مشكوك فيه نظراً للمصالح الروسية – الإيرانية الكبيرة في القوقاز وآسيا الوسطى. ويضيف في مقال له في الـ«فورين أفيرز» أن واشنطن وتل أبيب «أخذتا قرارهما منذ سنين عندما سمحتا ببقاء الأسد في السلطة، الآن لا مفر من السماح بنفوذ إيراني في سوريا». إلا أن السؤال يبقى عن حجم هذا النفوذ وحدوده إذا ما كانت هناك إرادة فعلية للتوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع. 

أما في ما يتعلق بتركيا فإنها بحسب أحد المراقبين ما زالت متمسكة بما تبقى لها من أوراق على الأرض في سوريا، وسوف تتجه إلى مزيد من التشدد أو حتى عرقلة أي جهود لتوحيد مجموعات المعارضة السورية، ما لم تحصل على ضمانات بدور في الحل السياسي، وبعدم قيام كيان كردي سوري. 

الطرف الأوروبي الذي خرج عملياً من المعادلة بعد فشل إطار فيينا للحل، يحاول العودة عبر دعوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من بروكسيل الى انتقال سياسي متفاوض عليه بات ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. وهو في هذا الإطار اقترح «حكومة شاملة» في المناطق المحررة من «داعش» وأولها الرقة، تحترم جميع الطوائف وتستعيد الحياة الطبيعية. دعوة تلتقي مع الخطة الروسية، بعد فشل محاولة سابقة لماكرون لعقد اجتماع لمجموعة اتصال تجمع طرفي النزاع والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وباقي الدول المعنية، بعد اعتراض لاقته من واشنطن.

أجواء توحي بمباركة إقليمية ودولية محتملة لخطة بوتين الطموحة؟ ربما، هل تكفي؟ لا، ما لم يتم ايجاد حلول لمعضلات عدة على الأرض، وهذه بعض الأمثلة:

صحيح أن روسيا نجحت بعد سقوط حلب ومؤتمر الآستانة بإقامة أربع مناطق منخفضة التصعيد، إلا أن النجاح ليس كاملاً. فوقف إطلاق النار ما زال يعاني من خروق، وهناك انتقائية في احترامه على وقع خطط عسكرية، فإذا ما أرادت موسكو لمرحلة ثانية أن تبدأ، عليها أولاً فرض احترام أسس المرحلة الأولى. أضف إلى ذلك الموزاييك المتنوع من قوى موجودة على الأرض مدعومة من جهات عديدة، ما زال نظام الأسد يرفض حتى الاعتراف بها، وترفض هي بالمقابل التعامل معه بأي شكل من الأشكال. ماذا عن ضمان أمن وحرية المدنيين في اختيار ممثليهم لأي مجلس عموم مقترح؟ وماذا عن صلاحيات تُعطى لهؤلاء بضمانات؟ أيضاً، هناك التحديات الاقتصادية التي تفرض نفسها لعودة عجلة الحياة اليومية إلى الدوران في المناطق التي تلحظها الخطة، هل تنتظر البنى التحتية التي دُّمرت التسوية النهائية أم أن تأمين الحد الأدنى من ماء وغذاء وطبابة ممكن، وكيف؟ ما مدى واقعية الحديث عن عودة للنازحين واللاجئين وشبح الأسد ما زال جاثماً في دمشق؟ 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مرحلة جديدة في سوريا ستدعم فيها الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية وتعمل على خفض مستوى العنف وتهيئة الظروف المناسبة لسلام دائم بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، وصولاً إلى انتقال سياسي يحترم إرادة الشعب السوري. كلام يتقاطع هو الآخر مع خطة بوتين إذا ما تم الاتفاق على تفاصيل عادة ما تكمن الشياطين فيها. فهل من تناغم فعلي في هذا الإطار بين الرئيسين؟

بوتين كان اعتبر أنه أخطأ عندما وثق في الغرب أكثر مما ينبغي، فهل سيثق بالأطراف المعنية بالأزمة السورية كفاية وتثق هي به بالمقابل لإنجاح خطته؟ وهل تكون الأهداف المضمرة أكبر من المعلن عنها؟ يرى روبرت فيسك في الـ«اندبندنت» أن بوتين لا يحاول أن يحل مشاكل المنطقة بغض النظر عما يقول. وأنه ما زال يخاطر في سوريا، ويتلاعب بشعوب المنطقة، بهدف ترسيخ روسيا في الشرق الأوسط بشكل يصبح معه من الصعب على أي أحد أن يُقدم على أي شيء من دون التفكير برد فعل بوتين، مطلقاً على ذلك اسم «القوة السياسية». 

هل هي قوة سياسية أم أحلام قيصرية في زمن متعولم يحتاج إلى طي صفحة الفوضى وحد أدنى من الاستقرار؟ وهل أضحى البحث عن حل للأزمة السورية ترفاً لترسيخ تلك القوة أم ضرورة للخروج من عنق الزجاجة؟ وهنا يمكن لنا أن نتخيل حجم المأزق الكبير لبوتين من دون تسوية سياسية في سوريا. فهل وصلت الأطراف جميعها إلى حالة من الإنهاك قد تدفعها إلى التقاط المقترح القادم من سوتشي ولو كان الهدف التقاط الأنفاس؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك.

رسالة “أمل” بدور عربي محدِّد؟

تركزت أنظار العالم خلال الشهر الماضي على “اليمن التعيس”، بعيد قيام التحالف الذي تشكل من دول سنية بقيادة المملكة العربية السعودية بعملية “عاصفة الحزم”. صحيح أن العملية سلطت بقعة ضوء كبيرة على البلد الافقر في العالم العربي، لكن الصراع هناك قديم، تواجهت فيه أطراف عديدة غيرت مواقعها أكثر من مرة، وبقي متروكا لمصيره.

إلا أن التطورات التي شهدتها السنوات الاخيرة في منطقة الشرق الأوسط، رسخت صورة ما يجري على أرض اليمن بوصفه صراعا إقليميا بالواسطة. وذلك بعد تمدد النفوذ الاقليمي لايران، عبر دعمها لأطراف داخلية، ووصوله الى الحديقة الخلفية للسعودية. نفوذ واجهته المملكة عسكريا للمرة الأولى في البحرين ضمن قوات درع الجزيرة، ومرة ثانية على رأس تحالف سني واسع من مشرق العالم الى مغربه، في اليمن. دون أن نغفل مواجهته بشكل غير مباشر في سوريا ولبنان والعراق.

تنافس اقليمي غير مسبوق في التاريخ الحديث اذا، استدعى تحولا استراتيجيا في السياسة السعودية. لم يعد الاتكال معه بالكامل على ما سمي القرن الماضي بالمظلة الامنية الغربية ( البريطانية أولا ومن ثم الأميركية)، بل تم اللجوء الى استخدام القدرات العسكرية الذاتية للذود عن الأمن القومي، بدعم من دول وأطراف تستشعر هي الأخرى خطر تمدد النفوذ الايراني. خاصة في ظل سياسة أميركا المعلنة بالتوجه شرقا نحو الباسفيك، والتي تُرجمت اكتفاء بالسيطرة من الجو في الشرق الاوسط، وانسحابا من أرض معاركه، بعدما قلّ الاهتمام بنفطه، مع ازدياد التنبه الى صعود الصين.

في ظل ذلك، قد تكون أحداث اليمن عاملا دقّ جرس انذار بان الامن القومي في خطر مع التحولات التي تمر بها المنطقة. وأنه في زمن التحولات هذا يصح المثل القائل “ما حك جلدك مثل ظفرك”. ولكن يجب أيضا عدم إسقاط عامل رئيسي آخر من الحسبان. ففي الوقت الذي وصل فيه الحوثيون (المدعومون إيرانيا) الى أبواب عدن، كانت المفاوضات في لوزان بين دول الخمسة زائد واحد وإيران، قد حققت تقدما أدى في نهاية المطاف الى اتفاق إطار، من شأنه ( إذا ما وصل الى خواتيمه بالتوقيع على اتفاق نهائي ) أن ينهي عزلة دولية عانت منها طهران عقودا، ويعزز بالتالي موقعها ونفوذها ودورها الاقليمي على الساحة الدولية.

وعلى الرغم من التصريحات والتأكيدات بعيد الاتفاق المذكور على أنه يقتصر على الملف النووي، إلا أن الرئيس الأميركي “باراك أوباما” قطع الشك باليقين عندما قال صراحة في مقابلته مع صحيفة النيويورك تايمز، إن من شأن أي اتفاق نهائي أن يشكل بداية علاقة جديدة بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية. داعيا الايرانيين الى الاختيار بين بقائهم معزولين عن العالم، أو التحول الى “منارة” الشرق الأوسط. ومن هنا، يمكن تفهم القلق الطبيعي لدى جيران ايران في المنطقة، من أن ينعكس أي تقدم في الملف النووي، زيادة في رصيد القوة الاقليمية للدولة الفارسية.

في ظل هذه الأجواء، أتت عاصفة الحزم لتقول كما ذكرنا في مقال سابق: “نحن هنا”. وقد سجلت أولى النجاحات لحظة انطلاقها، حين ذكّرت الاميركيين أنفسهم بهوية “الحلفاء التقليديين” في المنطقة، واضطرتهم الى الوقوف في صفها بطبيعة الحال، ولو كان الدعم لوجستيا فقط. وحين قلبت المعادلات على الأرض، ووضعت حدا لتقدم الحوثيين، ذكّرت الاميركيين والايرانيين على حد سواء، بان العرب أيضا يمسكون بالعديد من أوراق اللعبة، بشكل يتيح لهم الجلوس على طاولة حوار تقرر مصير المنطقة ومستقبلها.

في المقابل، استمعنا على مدى ثلاثة اسابيع الى عاصفة من الانتقادات والتصريحات النارية الايرانية، التي وصلت على لسان المرشد نفسه حد القول “ستمرغ أنوفهم في التراب”. وحين أعلنت السعودية انتهاء عملية عاصفة الحزم، وبداية أخرى أطلقت عليها اسم إعادة الأمل، سارع رئيس مجلس الشورى الاسلامي في إيران “علي لاريجاني” الى وصف ما سمته السعودية نجاحا في تحقيق الأهداف، بالهزيمة النكراء. قائلا إن السعودية “توهمت انه بامكانها عبر التدخل العسكري أن تهيمن لرفع قدراتها في مرحلة التفاوض لكسب تنازلات”.

عن أي تفاوض كان يتحدث لاريجاني؟ هل يقف الموضوع عند حدود اليمن وإعادة الأطراف الى طاولة الحوار هناك؟ أم أن هناك تفاوضا أوسع وأشمل، يجري أصلا بوسائل مختلفة؟ على الأرجح أن تكون أحداث اليمن بكل تعقيداتها، جزءا يسيرا من عملية تفاوض أشمل، بدأت وستستمر بالحوار حينا وبالدم أحيانا. واذا ما كان من طاولة حوار لا بد وأن تعقد عاجلا أم آجلا، فان ما نشهده الآن قد يكون مقدمة لتحديد هوية قائمة المدعوين اليها، بعدما أصبحت “لائحة الطعام” معروفة، من اليمن الى سوريا مرورا بالعراق.

وحينها يصبح السؤال: هل ينجح العرب عبر تحالف تشكل السعودية مركز ثقله، في فرض أنفسهم كلاعب أساسي في الساحة الاقليمية؟ وأي دور يمكن أن يعطيهم “المايسترو الأميركي” الممسك بزمام اللعبة حتى الآن على ما يبدو؟ قد يكون الامتحان في سوريا بعد الاستعراض في اليمن. وهنا قد تتعزز الفرص بتقاطع المصالح مع تركيا من جهة، وبم أتى على لسان أوباما ( في المقابلة التي أشرنا اليها سابقا) حين تساءل، لماذا لا يواجه العرب الاسد عسكريا، من جهة أخرى.

على كل، ربما يشكل اعلان انتهاء عاصفة الحزم في اليمن، والاستعاضة عنها باعادة الأمل، رسالة عربية تؤكد الرغبة باختيار الحوار والتفاوض سبيلا بدل الحروب. فكيف ستخط طهران الجواب على تلك الرسالة؟

رياح تركيا الشرقية

 

 

عندما قال أحمد داوود أوغلو، إن إحدى نقاط القوة في سياسة تركيا الخارجية هي “المضي في إعادة اللحمة مع شعوبنا في منطقتنا، التي جمعنا وإياهم تاريخ مشترك”، هل كان يتوقع أن تُضطر بلاده الى مواجهة، الضرّاء قبل السرّاء، مع هذه الشعوب نتيجة تلك الُلحمة؟

السؤال يطرح الآن بقوة، بعدما وصلت نيران سوريا الى “خط” محاذ رسمه سايكس و بيكو يوما. فكوباني تشتعل، وأنقرة، التي تجنّبت على مدى سنوات ثلاث مواجهة عسكرية ثنائية مع دمشق، مطالبة الآن بتدخل بري ينقذ ضحايا-اليوم، أعداء-الأمس، من أكراد محسوبين على اتحاد العمال الكردستاني.

ضغوط دولية متزايدة، أبرزها من الولايات المتحدة الأميركية، مورست وتمارس على تركيا لدفعها نحو “مزيد من التعاون” مع التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية”..‪ كان آخرها على ما يبدو، الاعلان الاميركي على أعلى مستويات عن فتح تركيا لقواعدها الجوية امام طائرات التحالف. الامر الذي سارعت تركيا الى نفيه، قائلة انه لم يتم حتى الآن على الأقل.‬.

داخليا أيضا، ورغم وجود رأي عام رافض للتدخل البري في كوباني، غضب من الإحجام عن مد يد العون. الغضب يأتي بالطبع من خمسة عشر مليون كردي_تركي، حاول بعض منهم التسلل للمحاربة في صفوف المقاتلين الاكراد دفاعا عن كوباني، واصطدم بسد منيع من الجنود الأتراك على الحدود. الغضب تحول احتجاجات، ثم اشتباكات اسفرت عن سقوط ضحايا.

ما مرد “الإحجام” التركي؟ وما العوامل التي تتحكم بخيارات اردوغان؟ وهل يملك استراتيجية واضحة لخطوات مقبلة؟

الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، توعد بمواجهة الفوضى والمؤامرات، متهما أطرفا خارجية، والنظام السوري، وجماعة غولن (دون ان يسمها) بتأجيجها. وقال الا عودة الى التسعينات ( مرحلة تصادم مع الاكراد اسفرت عن اربعين الف قتيل)، متمسكا “بكل اصرار بالديمقراطية، والحرية، والسلام والاخوة”.

“الظروف تغيرت عما كانت قبل عشرين عاما”، قال اردوغان. وهو بالتأكيد على حق في ذلك. حينها كان لا يزال رئيس بلدية في اسطمبول، شاب طموح ارتقى السلم درجة درجة، ووصل بحنكته السياسية والاقتصادية، وأوصل تركيا، الى مراتب متقدمة من الازدهار عالميا. وأعادها، بقوة، الى موقع لعب دور فعال اقليميا ودوليا. وذلك بعد عقود من سياسة “عدم التدخل” التي أرساها مؤسس الدولة التركية الحديثة، كمال أتاتورك.

هذا التقدم الاقتصادي، عزز كثيرا من شعبية اردوغان، وكان احد اهم العوامل التي أعادته الى الحكم رئيسا منتخبا من الشعب مباشرة، للمرة الاولى في تاريخ البلاد. عودة استمر معها نهج ومسار غيّر وجه تركيا. وتعزّز مع تبوء أحمد داوود أوغلو، موقع رئاسة الوزراء بعد سنوات في وزارة الخارجية.

ولكن، هل سيتمكن اردوغان وحزبه من المحافظة على تلك الانجازات، والسير بمركب التحديث والانفتاح رغم العواصف العاتية؟ وهل تتكسر شعبيته على صخور الاخطار المحدقة؟

الاقتصاد التركي، رغم قوته، مثقل هذه الأيام بوجود ما يقارب المليوني لاجيء سوري، فُتحت أمامهم الحدود وتم استيعابهم، حتى الساعة. في حين أن طرق تجارة رئيسية مع سوريا والعراق قد أغلقت. عدا عن علاقات توترت مع بعض الجهات المستثمرة. أضف الى ذلك ما يتطلبه الاستثمار عادة من أمن واستقرار. فهل ينعكس ذلك على الدخل الفردي، والقومي قريبا؟ وما العمل لدرء ذلك؟

من جهة أخرى، ليس سرا ان أردوغان يحاول الحصول على أغلبية تمكنه من تعديل الدستور بعد أشهر، بم يعطه مزيدا من الصلاحيات كرئيس. دون أن نغفل التحضير للانتخابات البرلمانية العام المقبل. وهو لذلك عليه ارضاء أطياف مختلفة من الشعب التركي. وقد يشكل هذا الامر أولوية عنده، يمكن ان تجعله يضرب عرض الحائط “بجوقة منتقديه الدولية”، وآخرها انجيلا ميركيل التي قالت، ان عليه كحليف للناتو أن يعرف أن اولويته يجب أن تكون محاربة “الدولة الاسلامية”.

الناتو وأوروبا وأميركا، أطراف لم تعط أردوغان أي ضمانات في حال استمع الى “نصائحها” وغرق وحيدا في الوحل السوري. لذلك، من الطبيعي ان نراه يضرب أخماسه باسداسه قبل القيام بأي خطوة سيكون من المستحيل العودة عنها. قالها صراحة: أتدخل عندما تتدخلون، وبعدما تلاحظون ان العدو الاساسي الذي يجب القضاء عليه في سوريا، هو بشار الأسد.

نقطة أخرى أثارها أردوغان بصراحة، وهي مساواته بين تنظيم الدولة الاسلامية وحزب العمال الكردستاني. فلا الاول جار مرغوب به، ولا الثاني. من هنا لِمَ المخاطرة إذا بمواجهة “داعش”، وفتح الباب على مصراعيه امام قيامه بعمليات على الاراضي التركية؟ (خاصة مع وجود مليوني لاجيء سوري لا يعلم أحد مدى اختراق التنظيم لاوساطهم.)

وفي هذا الاطار أيضا يرى مراقبون، أن لا مصلحة لتركيا بمساعدة الاكراد وتقوية شوكتهم، وهي ما زالت بعد تفاوضهم. على العكس من ذلك، فان حشرهم في موقع ضعيف الآن، قد يقوي شوكتها ويعزز من نفوذها. فهي تشكل الرقم الأصعب على الأرض هذه الأيام، وباعتراف دولي غير مباشر، عبر اصرار قوى التحالف على القول انها الطرف الوحيد القادر على قلب الموازين.

هل ما زالت فعلا قادرة على قلب الموازين؟ أم أنها تحولت (ومع العودة الاميركية الى الشرق الأوسط) من فاعل الى “مفعول به”؟

أوراق اللعب التركية كثيرة، رغم انها خسرت بعضها في ايران ومصر والعراق وحتى اسرائيل. فمعايشتها التاريخية للمنطقة، وقدرتها على حكمها لعصور، قد تعطيها موقعا مميزا في فهم المتغيرات الحاصلة، والتعاطي معها. كما يمكن ان تشكل احدى هذه الاوراق، سياسة نفس طويل تعتمدها عند الحاجة( رغم انفعالات اردوغان بين الفينة والاخرى). فقد تعاطت أنقرة “بحكمة” في ملف ديبلوماسييها المخطوفين على يد “داعش”، وتمكنت من اطلاق سراحهم معافين، بعد أكثر من مئة يوم على احتجازهم. تفاصيل ما جرى لم تُعرف حتى الآن، لكنه مثال على احتمال أن يكون في جعبة تركيا، أكثر مما تعلن.

لكن الاوراق طبعا لا تفيد، الا اذا جلس اللاعب على الطاولة. فهل ضمنت تركيا لنفسها مكانا على طاولة “رسم خرائط جديدة في المنطقة”؟ وهل حددت “الهوية” ليتحدّد الدور؟ لا وقت للضياع. فرياح التغيير قادمة من الشرق، وقديما قيل إن “الرياح الشرقية مشؤومة”.

***********************************************

في رواية ل “كانن دويل” كتبها عشية الحرب العالمية الاولى ونشرت عام ١٩١٧ يتحدث المحقق شرلوك هولمز الى صديقه ومساعده الدكتور واتسون:( بتصرف)

“هولمز: هناك رياح شرقية قادمة يا واتسون.

واتسون: لا أعتقد ذلك يا هولمز، الطقس دافيء.

هولمز: ايها العجوز، انت الثابت الوحيد في عصر متغير، هناك رياح شرقية قادمة قادمة، رياح لم تشهد لها لندن مثيلا. ستكون باردة ومرة، وقد تحصد العديد منا.. ولكنها رياح الله نفسه، وستخلّف وراءها أرضا أقوى وأنظف ؤأفضل، عندما تنتهي العاصفة وتشرق الشمس..

من الاطلسي الى ايجه: تجاذبات ومصالح، وكوباني ضحية جديدة

“الضربات الجوية وحدها لن تنقذ كوباني”. كلمات قالها المتحدث باسم البنتاغون قبل أيام، واثبتتها الغارات الجوية للتحالف الدولي. وفيما أجمع المحللون على ضرورة تدخل بري لحسم المعركة، تطرح تساؤلات حول وجود نوايا حقيقية للتدخل و”الانقاذ”.

رغم التركيز المستحدث عليها، فان المواجهات في كوباني ليست جديدة، هي مستمرة منذ عام تقريبا. ازدادت حدتها بعد الانتصارات التي حققتها “الدولة الاسلامية” في الموصل، ما أبقى على كوباني عائقا أمام تنقلاتها بين حلب والرقة شرقا في سوريا، والموصل شمالا في العراق. السيطرة على كوباني اذا، ستتيح لها حرية نقل العتاد وتجارة النفط ( المستفيدون من تجارة السوق السوداء هذه كثر). هدف لا يزعج على ما يبدو الاميركيين، الذين رسموا عبر تدخل عسكري كثيف، خطا أحمر لتقدم التنظيم في العراق، واعلنوا هدف القضاء عليه هناك، فيما اكتفوا بالاعلان عن تحجيمه في سوريا.

مسؤولون عسكريون أميركيون أعلنوها صراحة، فقد نُقل عنهم القول انهم “واعون للوضع الانساني الملّح في كوباني، ولكنهم لا يعتبرون مع ذلك أن المدينة استراتيجية بالنسبة اليهم”. ما يدفعنا الى التساؤل: ما الذي يجعل من المناطق الكردية خطا أحمر في العراق، ورماديا في سوريا؟

عوامل عديدة تتبادر الى الذهن. أبسطها طبعا أنابيب النفط مع ما مثلّته، وتمثله، من مصالح شُنت لأجلها حروب. كذلك تطل مكاتب الاستخبارات الاميركية المتواجدة في اربيل، لتشكل سببا رئيسا يدعو “العم سام” الى حمايتها. علما أن فكرة انشاء قاعدة جوية عسكرية أميركية هناك طرحت بقوة مؤخرا، ولاقت ترحيبا كرديا. أضف الى ذلك حسابات التعاطي مع “العدو_الحليف” الايراني، الذي يشكل تنظيم “الدولة الاسلامية” خطرا عليه في العراق، ويتحول في سوريا شماعة ضرورية ليعلق عليها الاسد، حليف ايران، بقاءه.

لماذا يأخذ أوباما في الحسبان المصلحة الايرانية؟ طبعا ليس تحببا بها، بل لمقتضيات التفاوض حول الملف النووي، هو الراغب في تحقيق اختراق فيه خلال ولايته. اختراق من الواضح انه لن يحدث في المهلة المحددة نهاية الشهر المقبل، ما سيؤدي الى تمديد جديد للمفاوضات، تكون احدى حججه عدم التصادم مع ايران، في الوقت الذي تتم فيه مواجهة خطر مشترك هو “الدولة الاسلامية”.

العلاقة مع روسيا أيضا ليست بعيدة عن ذهن سيد البيت الابيض، وقراراته المتعلقة بموازين قوى الشرق الاوسط. منطقةٌ عاد الدب الروسي الى اللعب في ساحتها بقوة مع اندلاع الثورة السورية، وفراغ خلّفته سياسة الادارة الاميركية فيها تلك الفترة. فاوباما “الديمقراطي” وضع قفازات حريرية في تعاطيه مع خصوم الامس، وانسحب جزئيا في ما يشبه “الردّة” الى الداخل الاميركي. انسحاب ما زال مصرا عليه على ما يبدو، ما ينعكس على الطريقة التي يتعامل فيها مع التطورات على الارض، وكوباني إحداها

فعلى عكس بوش “المحارب”، يتصرف اوباما ك”طبيب جرّاح” على استعداد لاعمال المبضغ موضعيا فقط. ويتجلى ذلك في ابقاء الادارة الاميركية على مساحة من المرونة في تحديد استرايجية التعامل مع “الدولة الاسلامية”. المهم بالنسبة اليه تجنب سقوط دم اميركي في الخارج، وعدٌ قطعه في بداية حكمه ويبدو انه يصر على تركه إرثا في سجله، مهما كان الثمن. وهذه النقطة قد تشكل حجر زاوية في رفضه القاطع، حتى الساعة، إقامة منطقة عازلة شمالي سوريا.

المنطقة العازلة، فكرة طُرحت قبل عامين بهدف انساني على السطح، استراتيجي في العمق. انساني من ناحية العمل عبره على تأمين منطقة آمنة داخل سوريا، تستوعب النازحين من نير المعارك، وتشكل ممرا للمساعدات الانسانية. استراتيجي، لانه يتطلب اجتياحا لجزء من الأراضي السورية تنفذه جيوش أجنبية، في غياب قوة عسكرية سورية معارضة، يُعتمد عليها في تلك المهمة. وفي ظل غيابٍ آخر لمؤسسات مجتمع مدني تُسيّر شؤون الناس، قد يتحول الامر الى احتلال بكل معنى الكلمة. احتلال قد يتعرض بطبيعة الحال لهجمات تضع الأطراف المشاركة في عين عاصفة حرب أهلية، نعلم كيف بدأت، ونجهل كيف ومتى ستنتهي

من هنا يمكن ان نطل على الموقف التركي، و”اصطدامه” بالاستراتيجية الاميركية. اذ يختلف الطرفان منذ فترة على تحديد الاولويات في التعاطي مع الملف السوري. ترغب تركيا في اسقاط الاسد وتعتبره العدو الاساسي، وتصر على حظر للطيران ومنطقة عازلة تؤدي في نهاية المطاف الى المواجهة والحسم، شرط الا تغرق وحدها في رماله المتحركة. أما سقف الطموح الاميركي فانه قد يقف حاليا، وكما هو معلن، عند قصم ظهر داعش في العراق والاكتفاء ب”تحجيمها” في سوريا، حتى لو أدى الأمر الى تقوية شوكة الأسد. فهل يفسد هذا الخلاف ود التنسيق بين الطرفين؟

زحمة مبعوثين أميركيين الى تركيا هذه الايام، والغاية محددة: دفعها الى مشاركة اوسع في حملة التحالف الدولي على “الدولة الاسلامية”، دون ان يصل الامر الى تأمين غطاء دولي لخطوات احادية الجانب تقوم بها. وفي غمرة رأي عام عالمي يحمّلها مسؤولية مجزرة متوقعة في “كوباني” تطل عليها من الحدود، قد تجد تركيا نفسها مضطرة الى الاختيار قريبا بين جارين غير مرغوب بهما ( حكم الاكراد، وحكم داعش). واقع قد لا تملك أمامه من خيار سوى التعامل بآنية مع التطورات، بم يتيح لها، هي ايضا، كسب مزيد من الوقت. وقت قد تتم تمضيته في تدريب “المعارضة السورية المعتدلة” ضمن خطة اشار اليها وزير الدفاع الاميركي، على هدير طائرات حربية لم يتضح بعد ان كانت أبواب آنجرليك ستشّرع أمامها

وتبقى الارواح معلقة في كوباني بمصير قد لا يقل وحشية عما شهدته أماكن أخرى، سقط فيها ضحايا، والضمير

Photo courtersy of REUTERS/Umit Bektas

Photo courtersy: REUTERS/Umit Bektas