«حزب الله» بين واشنطن وحي السلّم

قُضي الأمر، العقوبات الاميركية على «حزب الله» تسلك طريقها الروتيني نحو أن تصبح أمراً واقعاً، بعدما أقرّها مجلس النواب بالاجماع وبقي أن يمررها مجلس الشيوخ ويوقّعها الرئيس. بعد كل التوقعات والتحليلات والرحلات المكوكية لشخصيات لبنانية الى واشنطن، أتت هذه العقوبات ضمن استراتيجية أشمل أعلنها ترامب لمواجهة إيران وأذرعتها في المنطقة، وعلى رأسها «حزب الله». والملفت كان تضمُّنها الى جانب العقوبات المالية، مشروع قانون لمعاقبة «حزب الله» على استخدام المدنيين كدروع بشرية، ودعوة الى الاتحاد الاوروبي لاعتبار الحزب إرهابياً بالكامل دون الفصل بين جناحيه العسكري والسياسي.

هذا الخبر كان أحد ابرز عناوين الاخبار محليا، لكنه لم يكن هو «العنوان». إذ انشغلت وسائل الاعلام التقليدية والحديثة بفيديوهات غير مسبوقة أتت من حي السلّم، حيث البيئة «المحسوبة» على «حزب الله» والحاضنة له. حنق وغضب من إزالة تعديات على الاملاك العامة، تحوّل مناسبة لتفجير بعض المكنونات التي لم تنجح فيديوهات اعتذار لاحقة في إعادتها الى القمقم. لا بالعكس، فبعد أن كان متابعون للوضع يتحدثون عن امتعاض داخل تلك البيئة يحول الانتماء اليها والحرص عليها دون إخراجه الى العلن، أصبحوا يتخوفون الآن من استخدام الترهيب وسيلة لإبقائها داخل «أسوار البيت»، بعدما انتشرت المقارنات بين الفيديوهات الأولى وتلك التي تضمنت الاعتذارات.

هل نستطيع الحديث عن مأزق يعيشه «حزب الله» من واشنطن الى حي السلّم؟ إنها على الأقل حالة لم نشهد لها مثيلا منذ تأسيس الحزب في الثمانينات. حينها لعب العامل الاقتصادي عاملا مهما رفده بالعدة والعديد والمناصرين، إذ استطاع بتلقيه حوالي مئة مليون دولار سنويا من ايران، تضاعفت مع حلول العام الفين، ووصلت الى ثمانمئة مليون بعد سنوات، أن يقيم ما بات متعارفا على تسميته بدولة ضمن الدولة، أو بدويلة «حزب الله» التي اضحت أقوى من دولة لم يعد جمهوره يعترف بها. القوة الاقتصادية، الى جانب العامل الايديولوجي واستعراض القوة، مكّنت الحزب من فرض ما وصفه الكاتب علي الامين بعقد أبوة ضمني بينه وبين المكون الشيعي في البلد، تحول الى سلوك اجتماعي، ومن هنا كان العتب عليه كما أتى على لسان إحدى السيدات «قلت إنك ستحمينا من الدولة».

التصريحات العفوية تجاوزت العتب الى الامتعاض من إرسال الابناء الى سوريا، حيث يخوض الحزب حربا ساق لها مبررات كثيرة لم تعد، على ما يبدو تقنع البعض. إنه التمدد الاستراتيجي الزائد، الذي فتح أمام الحزب باب «الاعتزاز والفخر» بانه أصبح قوة إقليمية لا يستهان بها في أي معادلة، وبأن المقاتلين ضمن صفوفه أضحوا من جنسيات مختلفة، إلا أنه فتح من ناحية أخرى «صندوق باندورا» تداعيات ذاك الدور المباشرة وغير المباشرة، على الحزب نفسه وعلى جمهوره وعلى فئات أخرى كانت تؤيده مقاومةً ضد الاحتلال في لبنان، وضاعت في تصنيفه عندما أصبح هو المحتل في سوريا. 

جمهور الحزب وشرائح أخرى من المجتمع اللبناني، هي من ستطاله العقوبات الجديدة القادمة من واشنطن، الى جانب الاشخاص والمؤسسات والدول خارج لبنان التي تتعامل مع الحزب، إما لجهة تمويله أو التجنيد لصالحه أو دعمه ماليا، خصوصا الدول الراعية للارهاب، كما ورد في مشروع القانون. نقاط تلتقي مع تقرير صدر في ايلول عن مركز العقوبات والتمويل غير المشروع الاميركي.

في التقرير، حديث عن صعوبات مادية يواجهها «حزب الله» منذ بدء الحرب السورية، يتخطاها بفضل الدعم الخارجي الذي توفره له ايران، وشبكة أعمال غير شرعية منتشرة في العالم تساعده فيها دول مثل فنزويلا، الى جانب تهريب البضائع والمتاجرة بالمخدرات وفرض ضرائب على المغتربين من بيئته، خاصة في دول افريقيا، وإجبارهم على اقتطاع نسبة من أرباحهم لصالح تمويله. عدا عن شركات وهمية لغسل الاموال، بالاضافة الى هبات من مناصريه. إلا أن التقرير يعترف بأن الأموال التي يتلقاها الحزب تصله بحقائب وليس عبر المصارف، من هنا فإن أثر العقوبات المالية على الحزب نفسه سيبقى محدودا، إلا أنها قد تحشر مؤيديه، ومعهم شرائح أخرى.

على كل حال، فان السيد حسن نصرالله نفسه كان قد قال ان العقوبات لن تؤثر على الحزب، لكنها قد تؤثر على أشخاص يتبرعون له. الامين العام للحزب، كان قد كثّف من إطلالاته في السنوات الأخيرة، موجها معظم حديثه بحسب مراقبين الى البيئة الداخلية في محاولة للابقاء على شد عصبها. ولكن هل سيبقى صدى التعبئة على حاله عندما يضيق الخناق الاقتصادي؟ أو عندما يضع المجتمع الاميركي والدولي نفسه في حُلٍ من تعرُّض المدنيين لويلات اي حرب محتملة، ويلقي باللائمة على الحزب لاستخدامه إياهم دروعاً بشرية ( بالاشارة الى مشروع القانون الاخير)؟ هل سيبقى الولاء نفسه إذا ما قصّر الحزب في تقديمات اجتماعية ومالية اعتاد عليها بعض المنضوين في صفوفه؟ وماذا عن ضيقٍ نقله مقربون من ميسوري حال طُلب منهم التكفل بمن تسببت الحرب السورية بيُتمه؟ وفي أي إطار يمكن أن نضع فيلم فيديو تم التداول به بكثرة على أنه تعذيب لاحد المواطنين من قبل أجهزة الأمن، ليتضح بعد ذلك، بحسب أحد المصادر أنه فيلم تم تصويره عام ٢٠١٤ في أحد مقرّات الحزب بالضاحية الجنوبية، وبأن من سربه هو أحد المنتمين الى الحزب بعد خلافات داخلية؟

يُحكى أن شجرة ضربت جذورها عميقا في الارض، وتمددت أغصانها وارتفعت وحدودها السماء، وعملت على تقوية نفسها بمساعدة أشواك عملاقة حالت دون وصول أي حطّاب ببلطته اليها. ولكنها وفي غمرة زهوها نسيت الالتفات كما يجب لسوس صغير أخذ ينخر بها، وفاتها أن مِنعتها وبقاءها مسألتان تعتمدان بالدرجة الأولى على حصانة تُغذيها من الداخل بدل أن تتغذى عليها. فهل تتنبه للأمر قبل فوات الأوان؟

بكلام أوضح، هل يعي «حزب الله» أن استمراريته وضمان دوره في مستقبل البلد تعتمد على انفتاح حقيقي على كافة أطياف المجتمع اللبناني، وانضوائه معهم تحت مظلة تقيه تقلبات الزمن؟ أم أن افتخاره بقوته الاقليمية يؤكد أن قراره هناك في الاقليم حتى في أدق الامور؟ وماذا سيفعل الراعي – الأب الاقليمي إذا ما اشتدت العواصف؟ هل يتحصن داخل أسواره ويستمر بالقتال حتى آخر نفس خارج الحدود؟ الرياح الغربية آتية عاتية على ما يبدو هذه المرة، والتغيير هو ما تصفر به.

رابط المقال كما نُشر أولا على جريدة المستقبل:

http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=752718

الاتفاق النووي وإيران الخمينية

ايران حققت اهدافها … الله استجاب لصلوات أمتنا. كلام صدر عن الرئيس الايراني حسن روحاني في معرض تعليقه على الاتفاق النووي الذي تم التوصل اليه بين إيران والدول الخمس زائد ألمانيا. تُرى، كيف كان سيكون وقع هذه الكلمات على أذن قائد الثورة الاسلامية، ومؤسس النظام الايراني الحالي آية الله الخميني لو كان الاموات يسمعون؟

إتفاق تاريخي تم التوصل اليه بين إيران والغرب، ستختلف تفسيراته. كل طرف سيحاول طبعا القاء الضوء على النقاط التي تُظهر المكاسب التي حصل عليها بموجبه. ولكن بغض النظر عن التفاصيل التقنية التي يتضمنها، يبقى البند الرئيس الفاقع أن إيران أضحت، وبموافقة منها ( اذا صمد الاتفاق طبعا) تحت الرقابة الدولية بزعامةالشيطان الاكبر (سابقا).

القبول بهذه الرقابة، الصارمة بحسب الاتفاق، لم يأت بسهولة. تطلب الامر جلسات طويلة من النقاش الجدي والجهد الديبلوماسي والوقت الثمين. أشهر طويلة تم العمل خلالها على توافق يبقى عنوانه رفع العقوبات المفروضة على ايران، مقابل التزامها بشروط الغرب ورقابته على نشاطها النووي. عقوبات، يتفق مراقبون، على انها تحولت حبلا أخذ يلتف ويضيق الخناق على عنق ايران، ودفع بمرشدها الاعلى الى إعطاء ضوء أخضر أتاح التوصل الى اتفاق.

الاتفاق المذكور يُنهي عقدا من زمن عزلة ايران عن العالم، ويضع في الوقت نفسه شروطا على برنامجها النووي. آراك سيُعاد تصميمه بحيث لا ينتج البلوتونيوم، فوردو سيتحول الى مركز للابحاث والتطوير، ناتانز خُفضت إمكاناته، عدد اجهزة الطرد المركزي انخفض بشكل دراماتيكي. والأهم أن كل ذلك سيجري تحت أعين المراقبين الدوليين.

هل يتعايش صقور ايران مع هذا الواقع الذي يمكن ان يفرضه تطبيق الاتفاق المذكور؟ وهل سيرضى الايرانيون الفخورون بقوميتهم أن تدفع بلادهم من سيادتها، ثمن نهاية العزلة ورغيف الخبز؟

الرئيس روحاني تحدث عن فصل جديد يتيحه الاتفاق، عنوانه العمل من أجل تحقيق النمو والتطور، ويتيح لشباب ايران الحلم من جديد بمستقبل أكثر إشراقا. كلام يعيد الى الذاكرة صدى كلمات الرئيس الاميركي باراك أوباما في مقابلته الشهيرة بعيد توقيع اتفاق الاطار. حينها وضع اوباما شباب إيران بين خيارين: العزلة والمعاناة من العقوبات، أو الانفتاح على العالم والمساهمة في تطوره (وبالتالي الاندماج في منظومته).

هل يكون الاتفاق كما وصفه روحاني، نقطة انطلاق لبناء الثقة بين إيران والغرب؟ وهل يشكل فعلا حلا لأزمة غير ضرورية تنبثق مع حلها آفاق جديدة مع التركيز على التحديات المشتركة؟

وهل هذه هي فعلا أهداف الجمهورية الاسلامية وقد تحققت في الاتفاق النووي؟ وهل يُطلق عجلة تغيير يمكن أن تعيد دمج إيران بالاقتصاد العالمي؟. ولكن، هل تلتق تلك الاهداف مع ثورة الخميني قبل خمسة وثلاثين عاما؟ ومن أجل ماذا قامت تلك الثورة ودفع الشعب الايراني أثمانها باهظا؟ ألعودة إيران إلى الاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية؟

إن تحققت تلك النظرية، هل يبتسم الشاه “محمد رضا بهلوي” في قبره، لو كان الأموات يبتسمون؟

مصر أمام منعطف خطير

“أم الدنيا” تقف الآن على مفترق طرق، قد يكون الأخطر منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١. حينها تحول “ميدان التحرير” ساحة صدحت فيها الحناجر مطالبة بالعدالة الاجتماعية، في صورة سجلها التاريخ نقطة التقاء للعديد من أطياف المجتمع المصري، من أقصى اليمين الاسلامي، الى أقصى اليسار الليبرالي. صورة أنهت، من حيث المبدأ، حكما استمر ثلاثين عاما، وبشرت بمرحلة جديدة قُطعت فيها العديد من الوعود.

حسابات الحقل لم تتوافق وحسابات البيدر. ارتكبت العديد من الاخطاء، وذهبت الكثير من الوعود أدراج الرياح. تغيّر المشهد السياسي أكثر من مرة، وبوتيرة متسارعة، ليعود من جديد الى صورة يُشبهّها بعض المراقبين بتلك التي كانت سائدة قبيل الثورة: أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة تعاني منها البلاد دون وجود أفق لحل جذري قريب، ومعارضون سياسيون خلف القضبان. مع ازدياد حالة الاستقطاب بين أطياف المجتمع، لدرجة قد يصبح من الصعب بعدها صهرها في بوتقة وطنية واحدة، غالبا ما ميزت الشعب المصري.

في ظل هذه الاجواء، اتى قرار إعدام الرئيس المصري السابق محمد مرسي والعديد من قيادات جماعة الاخوان المسلمين، ليصب حطبا على جمر حالة الاستقطاب الحاصلة، ويدفع بها نحو المزيد من الانقسام والتشرذم. انقسام يتخوف محللون من أن يتحول الى شكل من أشكال الحروب الأهلية، اذا ما أصر الحكم الحالي في مصر على سياسة استئصال حركة الاخوان المسلمين. وقد تخوفت النيويورك تايمز في أحد مقالاتها من ان يتحول إعدام مرسي، اذا ما نُفذ، الى رسالة للمصريين مفادها ان “حمل السلاح هو الطريق الوحيد لاسماع صوتهم”.

هل تُنفذ قرارات الاعدام؟ وما هي التداعيات التي يمكن ان تنتج عن ذلك؟ الأمر مفتوح طبعا على احتمالات شتى، عنوانها الأساسي مجابهة مفتوحة حتى النهاية. نهاية قد تصبح معها الجزأرة ( من الجزائر ) نموذجا. الطريق أمام احتمال تنفيذ تلك الأحكام ما زال طويلا، وأمامه سبل عديدة للمواجهة. وتتراوح تلك السبل بين الطعن أمام محكمتي الاستئناف والنقض، وامكانية اتخاذ قرار رئاسي بتخفيف الحكم أو حتى العفو، إذا ما توافرت نية بتخفيف المواجهة وامتصاص الاحتقان.

على كل، حتى لو أخذت القضية طريقها نحو الاستئناف، فان ذلك مسار سيأخذ وقتا. عامل الوقت يراهن البشر عليه عادة للتأقلم مع حالة معينة، أو حتى نسيانها، إلا أن هذه القاعدة العامة من المستبعد أن تنطبق على تطور الأحداث في مصر. ذلك أن معظم التحليلات والتوقعات توحي بان التصعيد قد يكون سيد الموقف في الفترة المقبلة. ويذهب بعضها الى الايحاء بان هذا التصعيد مطلوب، بهدف تقديم الملف الامني على ما عداه من ملفات، ما يؤجل بطبيعة الحال البحث في تحديات اقتصادية واجتماعية، كانت السبب الرئيس وراء ثورة يناير، ولا يبدو أن النظام الحالي يملك رؤية واضحة تجاه التعامل معها.

 

 تساؤلات أخرى حول الاصرار على الذهاب بعيدا في عملية قمع الاخوان، رغم الحديث مؤخرا عن مراجعات في صفوفهم. حديث خرج على غير عادة الى العلن، واستمعنا خلاله الى انتقادات من داخل الجماعة ودعوات الى الاصلاح وتغيير قادة الصف الأول والعمل على تقديم بدائل. تلك المراجعات على ما يبدو، لن تحظ بفرصة كافية للنضوج بشكل يمكن أن يعبّد الطريق نحو مشاركة، حقيقية هذه المرة، تؤمن التعايش والتوافق المطلوب. على العكس من ذلك، أتت قرارات الاعدام والقمع بالقوة لتعزز سياسة “استئصال” يرى الدكتور حسن نافعة، استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، انها قد تؤدي الى “قتل تلك المراجعات والمبادرات في مهدها”.

الى أين من هنا؟ وهل يملك النظام المصري الحالي رؤية واضحة، يقود على أساسها سفينته في خضم موجات اضطراب تلوح في الأفق؟ وما ماهية تلك الرؤية؟ وفي ظل هذه الأجواء، أي برلمان يمكن أن ينبثق عن انتخابات منتظرة تأجل استحقاقها أكثر من مرة؟ وهل ستقدم “العسكرتارية”، التي عملت في الظل سابقا، نفسها خيارا وحيدا يمسك بزمام الأمور من “سيناء الى السويس”؟

مفترق طرق حرج وعصيب اذا، تتعدد فيه الميادين، وتتقاطع زواريبه مع حسابات إقليمية ودولية. انها لعبة التاريخ الذي لا يمل من اعادة تكرار نفسه مرة بشكل مأساة، وأخرى بشكل مهزلة كما يقول كارل ماركس. وقد اختار الشرق الاوسط مرتعا له هذه الأيام.

هل لا زال بامكان ايران انقاذ نظام الاسد؟

 

هل نحن الآن فعلا بصدد رؤية علامات “بداية النهاية” للنظام السوري، كما توقع السفير الاميركي السابق في سوريا روبرت فورد؟ وهو لم يستبعد حدوث انهيار في ذاك النظام، بعد ما اشار اليه من “انشقاقات وانتكاسات متتالية في ساحة المعركة”.

مناسبة الحديث عن ذلك، التقدم الاستراتيجي الذي حققته قوات المعارضة السورية على الأرض. بدءا من سيطرتها على ادلب قبل فترة، وصولا الى سيطرتها على معسكر قرميد من جهة، وجسر الشغور من جهة أخرى، مع تقدمها الى الغاب. الأمر الذي أدى الى تقطع أوصال القوات النظامية الأسدية، واضطرارها الى سلوك طرق وعرة من أجل الحصول على الدعم اللوجستي.

هذا التقدم على الأرض يضع قوات الاسد في مأزق آخر، ألا وهو امتداد الرقعة الجغرافية لقوات المعارضة، واعطائها المزيد من حرية الحركة. في المقابل، لم يعد بالامكان توقع من أين ستأتي الهجمة المقبلة، ما سيدفع بالجيش السوري وحلفائه الى تشتيت دفاعاتهم على أكثر من جبهة.

العديد من العوامل أدت الى تقدم قوات المعارضة، أهمها النجاح في التنسيق، والحفاظ على السرية بين الفصائل المختلفة، وتوحيد الجهود خلف تحقيق هدف عسكري استراتيجي واحد. أَضف الى ذلك، أنه مع كل تقدم سابق، كان يتم الاستيلاء على أسلحة وذخائر للنظام، عززت القدرات العسكرية للمقاتلين الذين طالما اشتكوا من الدعم الذي “يأتيهم بالقطارة”.

ولا يمكن اغفال تزامن توقيت تعاون تلك الفصائل، مع التعاون الحاصل هذه الأيام بين ما يمكن أن يُسمى برعاتها أو داعميها الاقليميين، وبالتحديد تركيا والسعودية وقطر، لمواجهة ما يُصطلح على تسميته بتمدد النفوذ الايراني. وقد كان ملفتا أن تشتكي الخارجية السورية أمام المحافل الدولية، من ما أسمته بالعدوان التركي المباشر، بعد الانتصارات الميدانية للمعارضة.

إذا ما أضفنا الى تلك التطورات الميدانية وتراجع قوات الاسد، الانباء المتداولة عن خلافات سياسية داخل صفوف النظام وصلت حد التصفيات الجسدية، نستنتج أن النظام يمر في واحد من أصعب مآزقه منذ انطلاق الثورة السورية. ولعل هذا أحد الاسباب التي استدعت زيارة وزير الدفاع السوري الى طهران، حيث التقى نظيره الايراني، وكان بحث في “التعاون من اجل مواجهة الارهاب، والتحديات المشتركة”.

الدعم الايراني للأسد ونظامه ليس خافيا على أحد منذ البداية، وقد تم تتويجه بدعم مالي وعسكري معلن، علاوة على المساندة بالمقاتلين ( حزب الله ). لكن الامور قد تطورت مؤخرا الى درجة تستدعي المزيد من الانخراط في الحرب الأهلية السورية. ويرى الباحث يزيد صايغ، أن النظام تراجع الى درجة لم يعد بامكان روسيا وايران معها أن تقدم له أكثر مما قدمت، سوى “تدخل عسكري كبير”. فهل يمكن أن تصل الامور الى هذا الحد؟

المأزق السوري في هذه الحال، يمكن أن يضع الداعم الإيراني أيضا في مأزق. لقد استثمرت طهران الكثير في “الورقة السورية”، الى درجة يصبح التخلي عنها شبه مستحيل. لقد راهنت الجمهورية الاسلامية على نظام الأسد، ونجحت في المساعدة على بقائه. وبقاء الأسد، قد يكون ساعد على استمرار دوران عجلة الحوار بين طهران والغرب. اذ يرى مراقبون، أن تراجع أوباما عن خطوطه الحمر في سوريا، كان ثمنا هدف الى الحفاظ على زخم ذاك الحوار. ومن هنا، يصبح سقوط الاسد قبل استخدام طهران للورقة السورية في التفاوض حول دورها وموقعها الاقليمي، خسارة ستقوم ايران بكل ما يمكن لتفاديها.

وأبعد من ذلك، يجب عدم اغفال ان سوريا هي خط الامداد لحزب الله، الوليد الشرعي لايران. واحتمال وجود نظام غير حليف في دمشق، يضعف ايران ليس في سوريا فحسب، بل في لبنان ايضا. ولبنان هو البلد الذي سجلت فيه إيران انتصارا حقيقيا، وتمددا في النفوذ، من خلال هيمنة حلفائها عسكريا وسياسيا. من هنا نستنتج أن إيران قد لا تكون في وارد التخلي عن الأسد، في القريب العاجل على الأقل، حتى ولو كلفها الأمر المزيد من “التضحيات”. اذ ما زال أمامها المراهنة على صمود النظام وقتا كافيا، يتيح لها إحراز مكاسب على طاولة الحوار.

وفي النهاية يبقى التفاوض مرحلة لا بد منها في أي صراع، لكن السؤال المطروح هنا، هل يكون التفاوض مع الأسد أم بوجود رأسه على الطاولة؟