خطة طريق بوتين السورية.. تسوية شاملة أم «التقاط أنفاس»؟

 

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=752290

رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة خطة مستقبلية للخروج من الأزمة السورية، وتحدث خلال منتدى فالداي للحوار الذي عُقد في سوتشي، عن ما يمكن أن يسمى بـ«خريطة طريق» تتطلب تعاون مختلف أطراف النزاع.

تنطلق الخطة بحسب بوتين من مناطق خفض التصعيد. من هناك يقترح أن تنطلق بعد دحر «داعش» الذي قال بحذر إنه بات قريباً، مرحلةٌ ثانية قوامها تشكيل ما أسماه مجلس عموم شعبياً (People’s Congress) يضم كل الاثنيات والمذاهب وأطياف المعارضة والنظام. هذا المجلس سيفتح الطريق برأيه أمام تسوية سياسية شاملة إذا ما تم بدعم ورعاية من الأطراف الإقليمية، مسمياً بالتحديد السعودية ومصر. وإذا ما تكلل ذلك بالنجاح، يصبح ممكناً الانطلاق إلى المرحلة الثالثة المتمثلة بالتحضير لدستور جديد للبلاد.

هل يمكن التوقف عند هذه الخطة وإمكانية البناء عليها؟ بالتأكيد ولأكثر من سبب، أبرزها أولاً أن بوتين نجح في فرض نفسه طرفاً أساسياً في الحرب السورية وثبّت أقدامه على الأرض هناك في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الغربية الأخرى تتخبط في سياساتها وأولوياتها. وثانياً، التطورات الميدانية على الأرض وأهمها الهزائم المتلاحقة لـ«داعش»، وثالثاً حالة الإنهاك وانعدام الأفق التي قد تدفع أطراف الأزمة إلى البحث عن حلول واقعية ممكنة، ورابعاً شمول الخطة أطرافاً فاعلة غابت عن الآستانة. إلا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطريق معبّدة أمام تنفيذ خطة طموحة من هذا النوع، وتبقى دونها عقبات كأداء.

مصدر مصري مسؤول رأى في المقترح الروسي ضغطاً على مصر والسعودية باتجاه مزيد من العمل على توحيد أطياف المعارضة، معتبراً في حديث لـ«المستقبل» أن مصر كانت منذ البداية تدفع في هذا الاتجاه من خلال مؤتمر القاهرة. وحالياً، تحاول موسكو برأيه أن تكون ضابط ايقاع يوازن بين مختلف أطراف الأزمة. وهنا يجب على مصر والسعودية والإمارات أن تتفاهم وتشكل كتلة وازنة، بإمكانها أن تؤثر وتشكل عاملاً محدِّداً، إذا ما اتفقت على رؤية يمكن تقديمها للروس من منطلق واقعي قوي نسبياً يريد الوصول إلى حلول. لكنه أشار إلى ضرورة عدم التخلي عن مؤتمر جنيف، لأن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن مسألة ضرورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. 

رئيس تحرير صحيفة «الرياض بوست» سلطان السعد القحطاني قال لـ«المستقبل» إن هناك قناعة سعودية على مستوى رفيع تدعم فكرة المناطق الآمنة في سوريا كمنطلق أساسي في حل الملف السوري عبر مراحل عدة، كما أن لموسكو تواجداً قوياً في المعادلة لا يمكن تجاهله، وهواجس من الدور الغربي. على هذا الأساس نشهد تعاوناً سعودياً روسياً يهدف إلى تقريب وجهات النظر والبناء عليها، خصوصاً أن روسيا تبدو أكثر مرونة حيال ايجاد بديل للأسد على أن يحظى بمباركتها. وبرأي القحطاني، فإن الدور الروسي ـ السعودي سيؤدي إلى خروج تركيا وقطر من المعادلة وضبط إيقاع إيران، وأن الحل لن يأتي عن طريق مؤتمرات السلام لاختلافات كثيرة في رأي المعارضة، لكنه قد يُفرض فرضاً من قبل ثلاث عواصم هي: موسكو وواشنطن والرياض. مشيراً إلى الرغبة الأميركية ـ السعودية بإخراج إيران وحلفائها من سوريا والعراق.

إيران كانت ربطت صراحة أمنها بأمن سوريا، ودفعت وما زالت تدفع الغالي والرخيص مقابل نفوذها هناك. الرهان لدى العديد من المحللين الأميركيين يبقى على أن تقوم روسيا بالحد من هذا النفوذ. إلا أن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، يرى أن هذا أمر مشكوك فيه نظراً للمصالح الروسية – الإيرانية الكبيرة في القوقاز وآسيا الوسطى. ويضيف في مقال له في الـ«فورين أفيرز» أن واشنطن وتل أبيب «أخذتا قرارهما منذ سنين عندما سمحتا ببقاء الأسد في السلطة، الآن لا مفر من السماح بنفوذ إيراني في سوريا». إلا أن السؤال يبقى عن حجم هذا النفوذ وحدوده إذا ما كانت هناك إرادة فعلية للتوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع. 

أما في ما يتعلق بتركيا فإنها بحسب أحد المراقبين ما زالت متمسكة بما تبقى لها من أوراق على الأرض في سوريا، وسوف تتجه إلى مزيد من التشدد أو حتى عرقلة أي جهود لتوحيد مجموعات المعارضة السورية، ما لم تحصل على ضمانات بدور في الحل السياسي، وبعدم قيام كيان كردي سوري. 

الطرف الأوروبي الذي خرج عملياً من المعادلة بعد فشل إطار فيينا للحل، يحاول العودة عبر دعوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من بروكسيل الى انتقال سياسي متفاوض عليه بات ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. وهو في هذا الإطار اقترح «حكومة شاملة» في المناطق المحررة من «داعش» وأولها الرقة، تحترم جميع الطوائف وتستعيد الحياة الطبيعية. دعوة تلتقي مع الخطة الروسية، بعد فشل محاولة سابقة لماكرون لعقد اجتماع لمجموعة اتصال تجمع طرفي النزاع والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وباقي الدول المعنية، بعد اعتراض لاقته من واشنطن.

أجواء توحي بمباركة إقليمية ودولية محتملة لخطة بوتين الطموحة؟ ربما، هل تكفي؟ لا، ما لم يتم ايجاد حلول لمعضلات عدة على الأرض، وهذه بعض الأمثلة:

صحيح أن روسيا نجحت بعد سقوط حلب ومؤتمر الآستانة بإقامة أربع مناطق منخفضة التصعيد، إلا أن النجاح ليس كاملاً. فوقف إطلاق النار ما زال يعاني من خروق، وهناك انتقائية في احترامه على وقع خطط عسكرية، فإذا ما أرادت موسكو لمرحلة ثانية أن تبدأ، عليها أولاً فرض احترام أسس المرحلة الأولى. أضف إلى ذلك الموزاييك المتنوع من قوى موجودة على الأرض مدعومة من جهات عديدة، ما زال نظام الأسد يرفض حتى الاعتراف بها، وترفض هي بالمقابل التعامل معه بأي شكل من الأشكال. ماذا عن ضمان أمن وحرية المدنيين في اختيار ممثليهم لأي مجلس عموم مقترح؟ وماذا عن صلاحيات تُعطى لهؤلاء بضمانات؟ أيضاً، هناك التحديات الاقتصادية التي تفرض نفسها لعودة عجلة الحياة اليومية إلى الدوران في المناطق التي تلحظها الخطة، هل تنتظر البنى التحتية التي دُّمرت التسوية النهائية أم أن تأمين الحد الأدنى من ماء وغذاء وطبابة ممكن، وكيف؟ ما مدى واقعية الحديث عن عودة للنازحين واللاجئين وشبح الأسد ما زال جاثماً في دمشق؟ 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مرحلة جديدة في سوريا ستدعم فيها الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية وتعمل على خفض مستوى العنف وتهيئة الظروف المناسبة لسلام دائم بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، وصولاً إلى انتقال سياسي يحترم إرادة الشعب السوري. كلام يتقاطع هو الآخر مع خطة بوتين إذا ما تم الاتفاق على تفاصيل عادة ما تكمن الشياطين فيها. فهل من تناغم فعلي في هذا الإطار بين الرئيسين؟

بوتين كان اعتبر أنه أخطأ عندما وثق في الغرب أكثر مما ينبغي، فهل سيثق بالأطراف المعنية بالأزمة السورية كفاية وتثق هي به بالمقابل لإنجاح خطته؟ وهل تكون الأهداف المضمرة أكبر من المعلن عنها؟ يرى روبرت فيسك في الـ«اندبندنت» أن بوتين لا يحاول أن يحل مشاكل المنطقة بغض النظر عما يقول. وأنه ما زال يخاطر في سوريا، ويتلاعب بشعوب المنطقة، بهدف ترسيخ روسيا في الشرق الأوسط بشكل يصبح معه من الصعب على أي أحد أن يُقدم على أي شيء من دون التفكير برد فعل بوتين، مطلقاً على ذلك اسم «القوة السياسية». 

هل هي قوة سياسية أم أحلام قيصرية في زمن متعولم يحتاج إلى طي صفحة الفوضى وحد أدنى من الاستقرار؟ وهل أضحى البحث عن حل للأزمة السورية ترفاً لترسيخ تلك القوة أم ضرورة للخروج من عنق الزجاجة؟ وهنا يمكن لنا أن نتخيل حجم المأزق الكبير لبوتين من دون تسوية سياسية في سوريا. فهل وصلت الأطراف جميعها إلى حالة من الإنهاك قد تدفعها إلى التقاط المقترح القادم من سوتشي ولو كان الهدف التقاط الأنفاس؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك.

حرب سوريا تلفح وجه لبنان بقوة بعد ميثاق داعش والنصرة

ما فرقته بعض الرؤى والخلافات على تحديد الأهداف، جمعته مصلحة مشتركة بمواجهة “عدو” في عقر داره. الدولة الاسلامية، وجبهة النصرة، ومجموعة من الكتائب الاسلامية المعارضة للنظام السوري، وقعت “ميثاقا” ينظّم حربا أعلنتها على حزب الله وأنصاره في لبنان.

الوثيقة التي انتشرت نسخة عنها على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تتضمن تاريخا محددا جرى فيه التوقيع، الا ان بعض الوسائل الاعلامية سلطت الضوء عليها في اليومين الماضيين. ما يترك باب التساؤل مفتوحا حول الجهة التي قامت بالتسريب، والغاية منه، ولصالح من؟

بغض النظر عن ذلك، قد يكون أخطر ما في الموضوع، “إعلان الحرب” على لبنان بشكل صريح. فالأراضي اللبنانية أضحت بشكل رسمي هدفا لغزوات يقوم بها تحالف التنظيمات المذكور. غزوات حدد أهدافها بأسر عناصر من حزب الله، ومن مناصريهم كذلك، رجالا ونساءا. دون أن يُغفل الاشارة الى الغنائم التي يمكن أن يظفر بها، والتي قسمها الى “غنائم عسكرية، ومعدات ثقيلة، وغنائم عامة”.

عين إذا على ترسانة حزب الله من سلاح طالما لوّح به في وجه اسرائيل. (ترسانة يُقال بان معظمها موجود في قرى البقاع، خاصة بعد تطبيق القرار ١٧٠١، عام ٢٠٠٦.) وعين أخرى على فتح ممرات تكسر حصار جبهة القلمون. ذلك ان المرء ليس بحاجة الى خبرة عسكرية ليرى بوضوح أن “احتلال” بلدات على طول الحدود اللبنانية السورية، يصل القلمون بالقنيطرة، ويضيق الخناق بالكامل على الجيش النظامي وحلفائه في دمشق، ويقلب المعادلات على الأرض.

هل هذا ما تريده فعلا تلك الفصائل مجتمعة؟ أو بالأحرى، هل تقف “طموحاتها” عند هذا الحد؟ أم أن الوصول الى بيروت وضاحيتها الجنوبية هو عنوان المرحلة المقبلة، كما ذكر أحد مقاتلي “الدولة الاسلامية” في شريط فيديو نشر كذلك على “اليو تيوب”؟طبعا باستطاعة التنظيم أن يحدد الاهداف التي يريد، لكن هذا شيء، وما يمكن أن يجري على الأرض شيء آخر.

على الأرض، توجد في لبنان أعداد هائلة من النازحين السوريين، قد لا يهتم لمصيرهم مقاتلو “داعش”، على عكس شركائهم في التحالف من كتائب اسلامية أخرى وعلى رأسها “جبهة النصرة”. وهذا كان جليا لدى متابعة الطريقة التي تم بها تعامل الطرفين مع أحداث عرسال الأخيرة. إذ كان هناك ما يوحي بان النصرة تحاول تجنيب النازحين السوريين أي ردات فعل انتقامية يمكن ان يتعرضوا لها. ومن هنا يمكن المراهنة على أن التفكير جديا باجتياح واسع للمدن قد يكون مستبعدا، أو على الأقل، مؤجلا في هذه المرحلة.

ولكن ماذا عن البلدات التي أطلقت عليها الوثيقة اسم ” القرى الرافضة وبعض قرى النصارى وغيرهم في لبنان”؟ التوعد باستهداف هذه القرى بدا واضحا مع التركيز كما ذكرنا على “أسر أكبر عدد ممكن من الحزب أو الرافضة رجالا ونساءا، وقتل كل من يزيد عمره عن ١٥ عاما ويحاول المقاومة” في المقابل يعطي الاتفاق “الأمان” لكل شخص لا علاقة له بالحزب ويلتزم بيته، وينسحب ذلك على “النصارى والطوائف الأخرى”.

هذه اللغة المستخدمة في الوثيقة، يبدو ظاهرها محاولة للموازنة بين طريقة تعاطي” النصرة” الأقل تشددا (اعطاء الامان) ، و “الدولة الاسلامية” الأكثر تشددا ( القتل وأسر المدنيين). أما باطنها، فيعكس سياسة التخويف والبروبغندا أو الدعاية. تهويل للبيئة “الشيعية” الحاضنة لحزب الله، وقد خاض الحزب الحرب السورية تحت حجة حمايتها والدفاع عنها؛ والدعاية التي يأمل أن يحصل من ورائها على تعاطف من البيئة “السنية” اللبنانية في تلك المناطق.

رسائل اذا وجهت للمدنيين القاطنين في المناطق التي تنوي تلك الفصائل استهدافها. ليس واضحا ان كانت تراهن على “دق اسفين” بينهم وبين الحزب، في محاولة لدفعهم باتجاه الضغط عليه من الداخل للانسحاب من سوريا. لكن هناك رسالة أخرى قد تكون أكثر وضوحا تم توجيهها الى الجيش اللبناني. اذ اتفقت الفصائل على تجنب استهدافه، رامية بالتالي الكرة في ملعبه باختيار الحياد أم المواجهة.

شكل المواجهة المحتملة وحدودها سيعتمد بالتأكيد على المنحى الذي سيتخذه الجيش. وهنا أيضا أكثر من معضلة، على رأسها شغور كرسي رئاسة الجمهورية اللبنانية، وبالتالي تعطيل المجلس الأعلى للدفاع، الذي يجب أن يعود اليه اتخاذ قرار الحرب. بالطبع، القيادة تملك حق القرار، وللمخابرات دور أيضا، لكن “للعناصر” هذه الايام قدرة على قلب الموازين لا يستهان بها، إذا ما ضربت عرض الحائط مقولة “نفذ ثم اعترض”، وأصغت الى دعوات بالانشقاق تلعب على الوتر المذهبي.

عدا عن “الشعب والجيش”، ستكون الأنظار معلقة بالتأكيد على “حزب الله” اللاعب الاساسي المستهدف بالدرجة الأولى. كيف سيرد الحزب على اعلان الحرب هذا؟ وهل سيمسك بزمام المبادرة أم أنه أصبح في موقع الدفاع لا الهجوم؟ هل سيضطر الى اعطاء الاولوية للدفاع عن بيته الداخلي، بشكل يمكن ان ينعكس سلبا على حليفه السوري، أم أن قدراته تمكنه من خوض المعارك على أكثر من جبهة بفعالية، كما قال منظروه عقب أحداث بريتال الأخيرة؟

وماذا عن جبهة الجنوب؟ وسائل الاعلام المحسوبة على حزب الله، أشارت خلال المواجهات الاخيرة، الى دور اسرائيلي داعم لفصائل المعارضة السورية على جبهة القنيطرة. طبعا لم يتم التأكد من ذلك، لكن الأكيد أن عين اسرائيل لن تنام عما يجري على حدودها، فماذا سيكون موقفها في حال تطورت المواجهات؟ ماذا عن ايران؟ كيف ستساعد “وليدها الشرعي” في مواجهة هذا التحالف المستجد؟ هل ستزيد دعمها له في لبنان، أم تزيد عبء مشاركتها له في سوريا لتعطي نخبته مجالا للتفرغ في لبنان؟ وأخيرا، ماذا عن لبنان “الدولة” ومقولة النأي بالنفس التي يبدو انها لم تعد تكفي “ورقة تين” في ظل التطورات المتلاحقة؟

قد تكون الاجابة على هذه التساؤلات غير واضحة الآن، غير أن الواضح أن نقاش اللبنانيين وخلافهم حول من يملك قرار الحرب أو السلم، قد تخطاه زمن “الدولة الاسلامية والنصرة” آخذا منهم المبادرة.

هل يفعلها أوباما ويقفز فوق خط أحمر جديد، في إيران هذه المرة؟

هناك اتفاق في متناول اليد.. نحن لا نطلب ضمانات أمنية، ولا أموال، نحن ببساطة لا نطلب من الولايات المتحدة الا اتفاق يؤدي في نهاية المطاف الى إزالة العقوبات . بهذا الوضوح تحدث قبل فترة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف. هو يعلم جيدا أن الطلب، على بساطته، صعب التنفيذ. الا انه غير مستحيل بالنسبة لادارة اوباما على ما يبدو، إذا ما استُبدلت كلمة إزالة العقوبات، بتعليقها.

قبل أشهر لم يكن الامر واردا، على الاقل في بال المتابعين والمحللين. فاتفاق يعطي إيران حق التخصيب ويضعها في مصاف الدول النووية، كان، وما زال، مرفوضا من الرأي العام الاميركي والكونغرس. وهو صاحب السلطة في انهاء العقوبات. غير أن هامش الحرية المُعطى للرئيس الأميركي في السياسة الخارجية، يتيح له تخطي عقبة الكونغرس، إذا ما رضي الايرانيون بتعليق للعقوبات بدل الغائها، مرحليا على الأقل.

وزارة الخزانة الاميركية، وفي دراسة اجرتها مؤخرا، برّرت لاوباما تجاوز الكونغرس. اذ قالت إن أي اتفاق محتمل مع ايران بشأن برنامجها النووي، لا يعتبر معاهدة، وبالتالي فان اقراره لا يحتاج الى تصويت في مجلس الشيوخ. الدراسة اتت بعد حديث انتشر بقوة عن نية أوباما التوصل الى تسوية مع ايران، دون العودة الى الكونغرس. ما أثار حفيظة مشرعين كثر ينتمون الى المعسكرين الجمهوري والديمقراطي. وكان التشكيك بمحتوى الصفقة المحتملة سيد الموقف. فلو لم تكن سيئة لما كان أوباما يتجنب عرضها، كما قال احدهم.

الصفقة التي لم تر النور بعد (وقد لا تراه)، تتضمن بحسب تقارير صحفية، اعترافا بحق ايران في تخصيب اليورانيوم لاهداف سلمية، مع تعهدها بعدم القيام بأية تطبيقات عسكرية. بالترافق طبعا مع فرض رقابة على هذا البرنامج.  رقابة قد تكون مستحيلة عمليا، اذا ما استذكرنا كلاما سابقا للمندوب الأميركي، جون بولتون، بما معناه، أن ما خفي من نشاطات نووية ايرانية، أعظم مما يمكن أن تراه عين الاستخبارات الاميركية. فما بالك بعين مراقبين لم تسمح لهم ايران حتى الساعة بالتنقل بحرية بين منشآنها. هذا مع العلم ان الوكالة الذرية اشتكت على لسان مديرها العام، يوكيا امانو، من عدم تطبيق إيران لاجراءات الشفافية التي تعهدت بها في اطار اتفاق التعاون الاخير.

من هنا أتى وصف الصفقة المحتملة بالمعيبة. فهي تعطي ايران الكثير مقابل لا شيء، برأي وزير المخابرات الاسرائيلي، يوفال شتاينيتس. وهو نشر مقالا في النيويورك تايمز، طالب فيه الرئيس الأميركي بالالتزام بما أعلنه سابقا من أن لا صفقة مع إيران أفضل من صفقة سيئة. ولكن رغم تلازم المسارات والالتزام الايديولوجي، الذي يطغى أحيانا على المصالح بين أميركا واسرائيل، هل يتجاهل أوباما هذه الانتقادات والدعوات، متخطيا من جديد خطا أحمر رسمه بنفسه؟

سيطرت فكرة عقد صفقة كبرى مع ايران على ذهن أوباما منذ تنصيبه، بحسب عميل سابق للسي آي ايه داخل الحرس الثوري الايراني ( نقلا عن الواشنطن تايمز). ومن هنا، ارتدى قفازات حريرية لم تمنعه من الاستمرار في خنقها اقتصاديا في الداخل، واستنزافها بحروب في الخارج فيما بعد،( سوريا تحديدا). الهدف طبعا كان التوصل، في نهاية الأمر، الى اتفاق، دون الحاجة الى القيام بأية ضربة عسكرية. اتفاق يضيفه الى سجل أراده حافلا بالانجازات، بعدما تعزز في بداية ولايته الاولى بتلقي جائزة نوبل للسلام.

الوقت الذي امضاه اوباما سيدا في البيت الابيض مرّ ويمرّ سريعا، رغم الولاية الثانية. في المقابل، ست سنوات أو ثمان أو أكثر، هي نسبية بالنسبة للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وللسياسة الايرانية القائمة كما هو معروف على النفس الطويل. الضغوط الاقتصادية كانت فعالة، واتعبت المواطن والاقتصاد الايراني، لكنها لم تكن كافية لرفع الراية البيضاء، حتى الآن على الأقل. وبعد أكثر من عقد على بدء المحادثات الغربية مع ايران بشأن برنامجها النووي، ما زال بعيدا، احتمال التوصل الى اتفاق مُرض لجميع الاطراف،  قبل نهاية مهلة محددة اواخرا الشهر المقبل.

هل بدأ الصبر الغربي ينفد؟ الرئيس الايراني حسن روحاني غمز من هذه القناة حين قال قبل فترة، إن العالم تعب ويريد التوصل الى حل عبر التفاوض.. واذا تأمنت المرونة اللازمة.. يمكن التوصل الى اتفاق طويل الأمد .. يخلق بيئة تتيح التعاون في مكافحة العنف والتطرف على المستويين الاقليمي والدولي“. إذا، إيران وضعت على لسان مرشدها الأعلى خطوطا حمر أمام المفاوض الإيراني  في فيينا، أبرزها عدم تناول المباحثات أي ملف آخر. في حين انها لوّحت بجزرةفي مكان آخر، فهل تنجح المقايضة؟

يتخوف البعض، كما أسلفنا، من ان تكون المقايضة قد قطعت اشواطا تحت عنوان النووي مقابل داعش. لكن المنطق يقول ان في ذلك بعض المغالاة. فاوباما لن يستفيد كثيرا اذا كسب ايران في حربه على داعش، وخسر حلفاءه الآخرين من دول سنيّةتتخوف من المد الإيراني في المنطقة. والكونغرس، لن يقف مكتوف الايدي اذا ما مرر الرئيس الاميركي بالفعل اية صفقة او تسوية من تحت ناظريه. خياراته عديدة، قد تبدأ بالتصويت للتخلي عن الصفقة ولو رمزيا، ولا تنتهي بالمطالبة بفرض عقوبات جديدة. دون ان ننسى اسرائيل، أو نغفل حسابات الدول المشاركة في محادثات فيينا.

على ضوء كل ذلك، دعونا ننظر الى احتمالات ما يمكن حدوثه في الرابع والعشرين من الشهر المقبل، تاريخ انتهاء المهلة الممنوحة لكي تصل مفاوضات فيينا الى اتفاق:

اولا: أن تحدث معجزة في التوصل الى اتفاق يرضي الجميع.

ثانيا: انت تنتهي على لا حل يترافق مع إعادة فرض للعقوبات بدل تخفيضها، وهذا قد يكون مستبعدا في ظل طلب الود الاميركي من ايران للمساعدة في محاربة داعش، عدا عن تحاشي استفزازها في سوريا.

ثالثا: التوصل الى نوع من أنصاف الحلول، يتم التوقف خلال الاتفاق عليها عند عدد الطرود المركزية التي يمكن ان يُسمح بها، وسقف التخصيب وازالة مزيد من العقوبات، فيما تبقى أمور أخرى عالقة مثل مصير أراك  وفوردو.

رابعا: أن يتم الاتفاق على إعطاء مهلة إضافية جديدة، تتواصل خلالها المحادثات.

بين كل ما تقدم، قد يشكل الاحتمال الأخير الخيار الأسهل. ذلك انه يتيح لأكثر من طرف إمساك العصا من النصف، ورسم انتصارات على قياسه. الا إذا انتصر أحد الاطراف فعلا على الآخرين، وقلب الموازين.

رياح تركيا الشرقية

 

 

عندما قال أحمد داوود أوغلو، إن إحدى نقاط القوة في سياسة تركيا الخارجية هي “المضي في إعادة اللحمة مع شعوبنا في منطقتنا، التي جمعنا وإياهم تاريخ مشترك”، هل كان يتوقع أن تُضطر بلاده الى مواجهة، الضرّاء قبل السرّاء، مع هذه الشعوب نتيجة تلك الُلحمة؟

السؤال يطرح الآن بقوة، بعدما وصلت نيران سوريا الى “خط” محاذ رسمه سايكس و بيكو يوما. فكوباني تشتعل، وأنقرة، التي تجنّبت على مدى سنوات ثلاث مواجهة عسكرية ثنائية مع دمشق، مطالبة الآن بتدخل بري ينقذ ضحايا-اليوم، أعداء-الأمس، من أكراد محسوبين على اتحاد العمال الكردستاني.

ضغوط دولية متزايدة، أبرزها من الولايات المتحدة الأميركية، مورست وتمارس على تركيا لدفعها نحو “مزيد من التعاون” مع التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية”..‪ كان آخرها على ما يبدو، الاعلان الاميركي على أعلى مستويات عن فتح تركيا لقواعدها الجوية امام طائرات التحالف. الامر الذي سارعت تركيا الى نفيه، قائلة انه لم يتم حتى الآن على الأقل.‬.

داخليا أيضا، ورغم وجود رأي عام رافض للتدخل البري في كوباني، غضب من الإحجام عن مد يد العون. الغضب يأتي بالطبع من خمسة عشر مليون كردي_تركي، حاول بعض منهم التسلل للمحاربة في صفوف المقاتلين الاكراد دفاعا عن كوباني، واصطدم بسد منيع من الجنود الأتراك على الحدود. الغضب تحول احتجاجات، ثم اشتباكات اسفرت عن سقوط ضحايا.

ما مرد “الإحجام” التركي؟ وما العوامل التي تتحكم بخيارات اردوغان؟ وهل يملك استراتيجية واضحة لخطوات مقبلة؟

الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، توعد بمواجهة الفوضى والمؤامرات، متهما أطرفا خارجية، والنظام السوري، وجماعة غولن (دون ان يسمها) بتأجيجها. وقال الا عودة الى التسعينات ( مرحلة تصادم مع الاكراد اسفرت عن اربعين الف قتيل)، متمسكا “بكل اصرار بالديمقراطية، والحرية، والسلام والاخوة”.

“الظروف تغيرت عما كانت قبل عشرين عاما”، قال اردوغان. وهو بالتأكيد على حق في ذلك. حينها كان لا يزال رئيس بلدية في اسطمبول، شاب طموح ارتقى السلم درجة درجة، ووصل بحنكته السياسية والاقتصادية، وأوصل تركيا، الى مراتب متقدمة من الازدهار عالميا. وأعادها، بقوة، الى موقع لعب دور فعال اقليميا ودوليا. وذلك بعد عقود من سياسة “عدم التدخل” التي أرساها مؤسس الدولة التركية الحديثة، كمال أتاتورك.

هذا التقدم الاقتصادي، عزز كثيرا من شعبية اردوغان، وكان احد اهم العوامل التي أعادته الى الحكم رئيسا منتخبا من الشعب مباشرة، للمرة الاولى في تاريخ البلاد. عودة استمر معها نهج ومسار غيّر وجه تركيا. وتعزّز مع تبوء أحمد داوود أوغلو، موقع رئاسة الوزراء بعد سنوات في وزارة الخارجية.

ولكن، هل سيتمكن اردوغان وحزبه من المحافظة على تلك الانجازات، والسير بمركب التحديث والانفتاح رغم العواصف العاتية؟ وهل تتكسر شعبيته على صخور الاخطار المحدقة؟

الاقتصاد التركي، رغم قوته، مثقل هذه الأيام بوجود ما يقارب المليوني لاجيء سوري، فُتحت أمامهم الحدود وتم استيعابهم، حتى الساعة. في حين أن طرق تجارة رئيسية مع سوريا والعراق قد أغلقت. عدا عن علاقات توترت مع بعض الجهات المستثمرة. أضف الى ذلك ما يتطلبه الاستثمار عادة من أمن واستقرار. فهل ينعكس ذلك على الدخل الفردي، والقومي قريبا؟ وما العمل لدرء ذلك؟

من جهة أخرى، ليس سرا ان أردوغان يحاول الحصول على أغلبية تمكنه من تعديل الدستور بعد أشهر، بم يعطه مزيدا من الصلاحيات كرئيس. دون أن نغفل التحضير للانتخابات البرلمانية العام المقبل. وهو لذلك عليه ارضاء أطياف مختلفة من الشعب التركي. وقد يشكل هذا الامر أولوية عنده، يمكن ان تجعله يضرب عرض الحائط “بجوقة منتقديه الدولية”، وآخرها انجيلا ميركيل التي قالت، ان عليه كحليف للناتو أن يعرف أن اولويته يجب أن تكون محاربة “الدولة الاسلامية”.

الناتو وأوروبا وأميركا، أطراف لم تعط أردوغان أي ضمانات في حال استمع الى “نصائحها” وغرق وحيدا في الوحل السوري. لذلك، من الطبيعي ان نراه يضرب أخماسه باسداسه قبل القيام بأي خطوة سيكون من المستحيل العودة عنها. قالها صراحة: أتدخل عندما تتدخلون، وبعدما تلاحظون ان العدو الاساسي الذي يجب القضاء عليه في سوريا، هو بشار الأسد.

نقطة أخرى أثارها أردوغان بصراحة، وهي مساواته بين تنظيم الدولة الاسلامية وحزب العمال الكردستاني. فلا الاول جار مرغوب به، ولا الثاني. من هنا لِمَ المخاطرة إذا بمواجهة “داعش”، وفتح الباب على مصراعيه امام قيامه بعمليات على الاراضي التركية؟ (خاصة مع وجود مليوني لاجيء سوري لا يعلم أحد مدى اختراق التنظيم لاوساطهم.)

وفي هذا الاطار أيضا يرى مراقبون، أن لا مصلحة لتركيا بمساعدة الاكراد وتقوية شوكتهم، وهي ما زالت بعد تفاوضهم. على العكس من ذلك، فان حشرهم في موقع ضعيف الآن، قد يقوي شوكتها ويعزز من نفوذها. فهي تشكل الرقم الأصعب على الأرض هذه الأيام، وباعتراف دولي غير مباشر، عبر اصرار قوى التحالف على القول انها الطرف الوحيد القادر على قلب الموازين.

هل ما زالت فعلا قادرة على قلب الموازين؟ أم أنها تحولت (ومع العودة الاميركية الى الشرق الأوسط) من فاعل الى “مفعول به”؟

أوراق اللعب التركية كثيرة، رغم انها خسرت بعضها في ايران ومصر والعراق وحتى اسرائيل. فمعايشتها التاريخية للمنطقة، وقدرتها على حكمها لعصور، قد تعطيها موقعا مميزا في فهم المتغيرات الحاصلة، والتعاطي معها. كما يمكن ان تشكل احدى هذه الاوراق، سياسة نفس طويل تعتمدها عند الحاجة( رغم انفعالات اردوغان بين الفينة والاخرى). فقد تعاطت أنقرة “بحكمة” في ملف ديبلوماسييها المخطوفين على يد “داعش”، وتمكنت من اطلاق سراحهم معافين، بعد أكثر من مئة يوم على احتجازهم. تفاصيل ما جرى لم تُعرف حتى الآن، لكنه مثال على احتمال أن يكون في جعبة تركيا، أكثر مما تعلن.

لكن الاوراق طبعا لا تفيد، الا اذا جلس اللاعب على الطاولة. فهل ضمنت تركيا لنفسها مكانا على طاولة “رسم خرائط جديدة في المنطقة”؟ وهل حددت “الهوية” ليتحدّد الدور؟ لا وقت للضياع. فرياح التغيير قادمة من الشرق، وقديما قيل إن “الرياح الشرقية مشؤومة”.

***********************************************

في رواية ل “كانن دويل” كتبها عشية الحرب العالمية الاولى ونشرت عام ١٩١٧ يتحدث المحقق شرلوك هولمز الى صديقه ومساعده الدكتور واتسون:( بتصرف)

“هولمز: هناك رياح شرقية قادمة يا واتسون.

واتسون: لا أعتقد ذلك يا هولمز، الطقس دافيء.

هولمز: ايها العجوز، انت الثابت الوحيد في عصر متغير، هناك رياح شرقية قادمة قادمة، رياح لم تشهد لها لندن مثيلا. ستكون باردة ومرة، وقد تحصد العديد منا.. ولكنها رياح الله نفسه، وستخلّف وراءها أرضا أقوى وأنظف ؤأفضل، عندما تنتهي العاصفة وتشرق الشمس..