خطة طريق بوتين السورية.. تسوية شاملة أم «التقاط أنفاس»؟

 

https://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=752290

رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة خطة مستقبلية للخروج من الأزمة السورية، وتحدث خلال منتدى فالداي للحوار الذي عُقد في سوتشي، عن ما يمكن أن يسمى بـ«خريطة طريق» تتطلب تعاون مختلف أطراف النزاع.

تنطلق الخطة بحسب بوتين من مناطق خفض التصعيد. من هناك يقترح أن تنطلق بعد دحر «داعش» الذي قال بحذر إنه بات قريباً، مرحلةٌ ثانية قوامها تشكيل ما أسماه مجلس عموم شعبياً (People’s Congress) يضم كل الاثنيات والمذاهب وأطياف المعارضة والنظام. هذا المجلس سيفتح الطريق برأيه أمام تسوية سياسية شاملة إذا ما تم بدعم ورعاية من الأطراف الإقليمية، مسمياً بالتحديد السعودية ومصر. وإذا ما تكلل ذلك بالنجاح، يصبح ممكناً الانطلاق إلى المرحلة الثالثة المتمثلة بالتحضير لدستور جديد للبلاد.

هل يمكن التوقف عند هذه الخطة وإمكانية البناء عليها؟ بالتأكيد ولأكثر من سبب، أبرزها أولاً أن بوتين نجح في فرض نفسه طرفاً أساسياً في الحرب السورية وثبّت أقدامه على الأرض هناك في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الغربية الأخرى تتخبط في سياساتها وأولوياتها. وثانياً، التطورات الميدانية على الأرض وأهمها الهزائم المتلاحقة لـ«داعش»، وثالثاً حالة الإنهاك وانعدام الأفق التي قد تدفع أطراف الأزمة إلى البحث عن حلول واقعية ممكنة، ورابعاً شمول الخطة أطرافاً فاعلة غابت عن الآستانة. إلا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطريق معبّدة أمام تنفيذ خطة طموحة من هذا النوع، وتبقى دونها عقبات كأداء.

مصدر مصري مسؤول رأى في المقترح الروسي ضغطاً على مصر والسعودية باتجاه مزيد من العمل على توحيد أطياف المعارضة، معتبراً في حديث لـ«المستقبل» أن مصر كانت منذ البداية تدفع في هذا الاتجاه من خلال مؤتمر القاهرة. وحالياً، تحاول موسكو برأيه أن تكون ضابط ايقاع يوازن بين مختلف أطراف الأزمة. وهنا يجب على مصر والسعودية والإمارات أن تتفاهم وتشكل كتلة وازنة، بإمكانها أن تؤثر وتشكل عاملاً محدِّداً، إذا ما اتفقت على رؤية يمكن تقديمها للروس من منطلق واقعي قوي نسبياً يريد الوصول إلى حلول. لكنه أشار إلى ضرورة عدم التخلي عن مؤتمر جنيف، لأن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن مسألة ضرورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. 

رئيس تحرير صحيفة «الرياض بوست» سلطان السعد القحطاني قال لـ«المستقبل» إن هناك قناعة سعودية على مستوى رفيع تدعم فكرة المناطق الآمنة في سوريا كمنطلق أساسي في حل الملف السوري عبر مراحل عدة، كما أن لموسكو تواجداً قوياً في المعادلة لا يمكن تجاهله، وهواجس من الدور الغربي. على هذا الأساس نشهد تعاوناً سعودياً روسياً يهدف إلى تقريب وجهات النظر والبناء عليها، خصوصاً أن روسيا تبدو أكثر مرونة حيال ايجاد بديل للأسد على أن يحظى بمباركتها. وبرأي القحطاني، فإن الدور الروسي ـ السعودي سيؤدي إلى خروج تركيا وقطر من المعادلة وضبط إيقاع إيران، وأن الحل لن يأتي عن طريق مؤتمرات السلام لاختلافات كثيرة في رأي المعارضة، لكنه قد يُفرض فرضاً من قبل ثلاث عواصم هي: موسكو وواشنطن والرياض. مشيراً إلى الرغبة الأميركية ـ السعودية بإخراج إيران وحلفائها من سوريا والعراق.

إيران كانت ربطت صراحة أمنها بأمن سوريا، ودفعت وما زالت تدفع الغالي والرخيص مقابل نفوذها هناك. الرهان لدى العديد من المحللين الأميركيين يبقى على أن تقوم روسيا بالحد من هذا النفوذ. إلا أن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، يرى أن هذا أمر مشكوك فيه نظراً للمصالح الروسية – الإيرانية الكبيرة في القوقاز وآسيا الوسطى. ويضيف في مقال له في الـ«فورين أفيرز» أن واشنطن وتل أبيب «أخذتا قرارهما منذ سنين عندما سمحتا ببقاء الأسد في السلطة، الآن لا مفر من السماح بنفوذ إيراني في سوريا». إلا أن السؤال يبقى عن حجم هذا النفوذ وحدوده إذا ما كانت هناك إرادة فعلية للتوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع. 

أما في ما يتعلق بتركيا فإنها بحسب أحد المراقبين ما زالت متمسكة بما تبقى لها من أوراق على الأرض في سوريا، وسوف تتجه إلى مزيد من التشدد أو حتى عرقلة أي جهود لتوحيد مجموعات المعارضة السورية، ما لم تحصل على ضمانات بدور في الحل السياسي، وبعدم قيام كيان كردي سوري. 

الطرف الأوروبي الذي خرج عملياً من المعادلة بعد فشل إطار فيينا للحل، يحاول العودة عبر دعوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من بروكسيل الى انتقال سياسي متفاوض عليه بات ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. وهو في هذا الإطار اقترح «حكومة شاملة» في المناطق المحررة من «داعش» وأولها الرقة، تحترم جميع الطوائف وتستعيد الحياة الطبيعية. دعوة تلتقي مع الخطة الروسية، بعد فشل محاولة سابقة لماكرون لعقد اجتماع لمجموعة اتصال تجمع طرفي النزاع والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وباقي الدول المعنية، بعد اعتراض لاقته من واشنطن.

أجواء توحي بمباركة إقليمية ودولية محتملة لخطة بوتين الطموحة؟ ربما، هل تكفي؟ لا، ما لم يتم ايجاد حلول لمعضلات عدة على الأرض، وهذه بعض الأمثلة:

صحيح أن روسيا نجحت بعد سقوط حلب ومؤتمر الآستانة بإقامة أربع مناطق منخفضة التصعيد، إلا أن النجاح ليس كاملاً. فوقف إطلاق النار ما زال يعاني من خروق، وهناك انتقائية في احترامه على وقع خطط عسكرية، فإذا ما أرادت موسكو لمرحلة ثانية أن تبدأ، عليها أولاً فرض احترام أسس المرحلة الأولى. أضف إلى ذلك الموزاييك المتنوع من قوى موجودة على الأرض مدعومة من جهات عديدة، ما زال نظام الأسد يرفض حتى الاعتراف بها، وترفض هي بالمقابل التعامل معه بأي شكل من الأشكال. ماذا عن ضمان أمن وحرية المدنيين في اختيار ممثليهم لأي مجلس عموم مقترح؟ وماذا عن صلاحيات تُعطى لهؤلاء بضمانات؟ أيضاً، هناك التحديات الاقتصادية التي تفرض نفسها لعودة عجلة الحياة اليومية إلى الدوران في المناطق التي تلحظها الخطة، هل تنتظر البنى التحتية التي دُّمرت التسوية النهائية أم أن تأمين الحد الأدنى من ماء وغذاء وطبابة ممكن، وكيف؟ ما مدى واقعية الحديث عن عودة للنازحين واللاجئين وشبح الأسد ما زال جاثماً في دمشق؟ 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مرحلة جديدة في سوريا ستدعم فيها الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية وتعمل على خفض مستوى العنف وتهيئة الظروف المناسبة لسلام دائم بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، وصولاً إلى انتقال سياسي يحترم إرادة الشعب السوري. كلام يتقاطع هو الآخر مع خطة بوتين إذا ما تم الاتفاق على تفاصيل عادة ما تكمن الشياطين فيها. فهل من تناغم فعلي في هذا الإطار بين الرئيسين؟

بوتين كان اعتبر أنه أخطأ عندما وثق في الغرب أكثر مما ينبغي، فهل سيثق بالأطراف المعنية بالأزمة السورية كفاية وتثق هي به بالمقابل لإنجاح خطته؟ وهل تكون الأهداف المضمرة أكبر من المعلن عنها؟ يرى روبرت فيسك في الـ«اندبندنت» أن بوتين لا يحاول أن يحل مشاكل المنطقة بغض النظر عما يقول. وأنه ما زال يخاطر في سوريا، ويتلاعب بشعوب المنطقة، بهدف ترسيخ روسيا في الشرق الأوسط بشكل يصبح معه من الصعب على أي أحد أن يُقدم على أي شيء من دون التفكير برد فعل بوتين، مطلقاً على ذلك اسم «القوة السياسية». 

هل هي قوة سياسية أم أحلام قيصرية في زمن متعولم يحتاج إلى طي صفحة الفوضى وحد أدنى من الاستقرار؟ وهل أضحى البحث عن حل للأزمة السورية ترفاً لترسيخ تلك القوة أم ضرورة للخروج من عنق الزجاجة؟ وهنا يمكن لنا أن نتخيل حجم المأزق الكبير لبوتين من دون تسوية سياسية في سوريا. فهل وصلت الأطراف جميعها إلى حالة من الإنهاك قد تدفعها إلى التقاط المقترح القادم من سوتشي ولو كان الهدف التقاط الأنفاس؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك.

وثيقة حماس: صراع من أجل البقاء؟

 

 

أيام مرت على إصدار حماس لوثيقتها، وما زالت ردود الأفعال والتحليلات تتفاعل. الرئيس الفلسطيني قال إن فيها تناقضات كثيرة، فيما رأت أوساط فصائل فلسطينية اخرى أن جزءا كبيرا منها موجه للخارج، رغم اللغة والصياغة الجديدة التي اعترفت بالتنوع الفلسطيني، والتقت فيها مع لغة القوى الوطنية والعلمانية لأول مرة. كما توقف مراقبون عند محاولة التوفيق بين مرونة مستجدة، وتمسك بمواقف تصعيدية سابقة شكلت ثوابت في ميثاق الحركة منذ تأسيسها.

التغيير في لهجة «حماس» تمثّل أيضا في القول انها حركة تحرر وطني اسلامي، في صراع مع الصهاينة وليس اليهود، ومستعدة للنضال بوسائل مختلفة. لكن أكثر ما لفت الانتباه، كان القبول بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام ١٩٦٧. قبول ظل مشروطا بعدم الاعتراف باسرائيل، والتمسك بالتحرير من النهر الى البحر.

ما الدافع وراء هذا القبول؟

تكملة المقالة على الرابط التالي:

http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=738238

مصر أمام منعطف خطير

“أم الدنيا” تقف الآن على مفترق طرق، قد يكون الأخطر منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١. حينها تحول “ميدان التحرير” ساحة صدحت فيها الحناجر مطالبة بالعدالة الاجتماعية، في صورة سجلها التاريخ نقطة التقاء للعديد من أطياف المجتمع المصري، من أقصى اليمين الاسلامي، الى أقصى اليسار الليبرالي. صورة أنهت، من حيث المبدأ، حكما استمر ثلاثين عاما، وبشرت بمرحلة جديدة قُطعت فيها العديد من الوعود.

حسابات الحقل لم تتوافق وحسابات البيدر. ارتكبت العديد من الاخطاء، وذهبت الكثير من الوعود أدراج الرياح. تغيّر المشهد السياسي أكثر من مرة، وبوتيرة متسارعة، ليعود من جديد الى صورة يُشبهّها بعض المراقبين بتلك التي كانت سائدة قبيل الثورة: أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة تعاني منها البلاد دون وجود أفق لحل جذري قريب، ومعارضون سياسيون خلف القضبان. مع ازدياد حالة الاستقطاب بين أطياف المجتمع، لدرجة قد يصبح من الصعب بعدها صهرها في بوتقة وطنية واحدة، غالبا ما ميزت الشعب المصري.

في ظل هذه الاجواء، اتى قرار إعدام الرئيس المصري السابق محمد مرسي والعديد من قيادات جماعة الاخوان المسلمين، ليصب حطبا على جمر حالة الاستقطاب الحاصلة، ويدفع بها نحو المزيد من الانقسام والتشرذم. انقسام يتخوف محللون من أن يتحول الى شكل من أشكال الحروب الأهلية، اذا ما أصر الحكم الحالي في مصر على سياسة استئصال حركة الاخوان المسلمين. وقد تخوفت النيويورك تايمز في أحد مقالاتها من ان يتحول إعدام مرسي، اذا ما نُفذ، الى رسالة للمصريين مفادها ان “حمل السلاح هو الطريق الوحيد لاسماع صوتهم”.

هل تُنفذ قرارات الاعدام؟ وما هي التداعيات التي يمكن ان تنتج عن ذلك؟ الأمر مفتوح طبعا على احتمالات شتى، عنوانها الأساسي مجابهة مفتوحة حتى النهاية. نهاية قد تصبح معها الجزأرة ( من الجزائر ) نموذجا. الطريق أمام احتمال تنفيذ تلك الأحكام ما زال طويلا، وأمامه سبل عديدة للمواجهة. وتتراوح تلك السبل بين الطعن أمام محكمتي الاستئناف والنقض، وامكانية اتخاذ قرار رئاسي بتخفيف الحكم أو حتى العفو، إذا ما توافرت نية بتخفيف المواجهة وامتصاص الاحتقان.

على كل، حتى لو أخذت القضية طريقها نحو الاستئناف، فان ذلك مسار سيأخذ وقتا. عامل الوقت يراهن البشر عليه عادة للتأقلم مع حالة معينة، أو حتى نسيانها، إلا أن هذه القاعدة العامة من المستبعد أن تنطبق على تطور الأحداث في مصر. ذلك أن معظم التحليلات والتوقعات توحي بان التصعيد قد يكون سيد الموقف في الفترة المقبلة. ويذهب بعضها الى الايحاء بان هذا التصعيد مطلوب، بهدف تقديم الملف الامني على ما عداه من ملفات، ما يؤجل بطبيعة الحال البحث في تحديات اقتصادية واجتماعية، كانت السبب الرئيس وراء ثورة يناير، ولا يبدو أن النظام الحالي يملك رؤية واضحة تجاه التعامل معها.

 

 تساؤلات أخرى حول الاصرار على الذهاب بعيدا في عملية قمع الاخوان، رغم الحديث مؤخرا عن مراجعات في صفوفهم. حديث خرج على غير عادة الى العلن، واستمعنا خلاله الى انتقادات من داخل الجماعة ودعوات الى الاصلاح وتغيير قادة الصف الأول والعمل على تقديم بدائل. تلك المراجعات على ما يبدو، لن تحظ بفرصة كافية للنضوج بشكل يمكن أن يعبّد الطريق نحو مشاركة، حقيقية هذه المرة، تؤمن التعايش والتوافق المطلوب. على العكس من ذلك، أتت قرارات الاعدام والقمع بالقوة لتعزز سياسة “استئصال” يرى الدكتور حسن نافعة، استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، انها قد تؤدي الى “قتل تلك المراجعات والمبادرات في مهدها”.

الى أين من هنا؟ وهل يملك النظام المصري الحالي رؤية واضحة، يقود على أساسها سفينته في خضم موجات اضطراب تلوح في الأفق؟ وما ماهية تلك الرؤية؟ وفي ظل هذه الأجواء، أي برلمان يمكن أن ينبثق عن انتخابات منتظرة تأجل استحقاقها أكثر من مرة؟ وهل ستقدم “العسكرتارية”، التي عملت في الظل سابقا، نفسها خيارا وحيدا يمسك بزمام الأمور من “سيناء الى السويس”؟

مفترق طرق حرج وعصيب اذا، تتعدد فيه الميادين، وتتقاطع زواريبه مع حسابات إقليمية ودولية. انها لعبة التاريخ الذي لا يمل من اعادة تكرار نفسه مرة بشكل مأساة، وأخرى بشكل مهزلة كما يقول كارل ماركس. وقد اختار الشرق الاوسط مرتعا له هذه الأيام.

ليبيا: نموذج جديد للفوضى غير الخلّاقة

“الفوضى الخلاقة” مصطلح قديم طفا الى السطح عام ٢٠٠٥ في تصريح أدلت به وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك “كوندليزا رايس”، في معرض حديثها عن مستقبل الشرق الأوسط. واليوم، يعود الحديث عن هذه الفوضى بقوة، مع اضافة مصطلح “غير الخلاقة” احيانا، لتوصيف الغموض الذي يكتنف نتائجها المحتملة.

“المنطقة وشعوبها معلقة في الهواء بخيط رفيع: فلا هي قادرة على العودة الى صيغة الدولة القديمة.. ولا في مستطاعها بعد ايجاد موطيء قدم إيديولوجي في النظام العالمي الجديد”. التوصيف للكاتب “سعد محيو” ضمن سلسلة مقالات عن حاضر ومستقبل المنطقة العربية. تحدث فيها عن “حروب جديدة” تتميز بالانفجار الداخلي للمجتمعات، وتتهاوى معها بنى ومؤسسات الدولة على “النمط الصومالي سابقا، والآن السوري والعراقي واليمني والليبي، والعد مستمر”.

ليبيا تشكل اليوم نموذجا لهذه الحالة، فهي تمر بمرحلة أقل ما يقال فيها انها مفصلية. الأرض التي شهدت حضارات وأمما وأشكال حكم ونظم عديدة، تسيطر عليها الفوضى. حالة استقطاب حادة، بين ما بات يعرف بالليبراليين من جهة، والاسلاميين من جهة أخرى. وتخوف من تحولها، برمشة عين، الى حرب اهلية بين من كانوا، قبل ثلاث سنوات فقط، رفاق سلاح بوجه العقيد معمر القذافي.

وصل الوضع حافة الانفجار بعد “نكسة” للاسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. حين حقق مستقلون ليبراليون مدنيون، رغم عدم سماح الظروف لهم بتشكيل تحالفات انتخابية، نجاحا قارب الثمانين بالمئة من المقاعد. نتيجة لم تقبل بها فصائل أعادت “المؤتمر الوطني” بقوة السلاح الى الحكم في طرابلس، ودفعت ب “مجلس النواب العام” المنتخب حديثا الى طبرق. فأصبح للبلاد برلمانان، تلاهما كذلك حكومتان.

خريطة حكم الأمر الواقع في ليبيا معقدة أكثر مما تقدم. الامر لا يقتصر على طرفين متجاذبين بين التطرف والمدنية، كما توحي بعض التقارير. مروحة واسعة من الفصائل والانتماءات موجودة بين الاثنين، يفوق عددها الالف وخمسمئة. ينضوي العديد منها في تحالفات، قد يكون أبرزها “فجر ليبيا” الذي يسيطر حاليا على العاصمة طرابلس، بعد معارك شرسة خاضها مع “الزنتانيين”. كان آخرها معركة مطار العاصمة.

اختصارا نعدد بعض أبرز القوى المسلحة الفاعلة على الأرض:
– كتائب الزنتان المتحالفة مع الجيش، والمدعومة من اللواء خليفة حفتر. وهي قوى تعترف بشرعية “مجلس النواب العام” المنتخب حديثا وتدعمه.
– تحالف فجر ليبيا الآنف الذكر. ويضم في صفوفه متشددين ومعتدلين، أبرزهم ما يعرف بوحدات مصراتة، ومكونات أمازيغية. أعاد “المؤتمر الوطني” الى الحكم رغم انتهاء ولايته.
– مجلس الشورى، وابرز وجوهه “أنصار الشريعة” التي تدعم المؤتمر الوطني رغم معارضتها السابقة له، بعدما وجدت في اللواء حفتر ومجلس النواب العام عدوا مشتركا.
– مجلس شورى شباب الاسلام في درنة، الذي تمايز مؤخرا باعلان مبايعته لداعش، وخطف بذلك الاهتمام.
إعلان المبايعة لداعش من المدينة الساحلية المطلة على البحر المتوسط، والمعروفة بكونها مركزا لتجنيد مقاتلين حاربوا في أفغانستان والعراق وسوريا، أثار على ما يبدو حفيظة فرنسا. إذ غرّد وزير خارجيتها “لوران فابيوس” على تويتر، مطالبا بتطبيق الجهود الرامية الى تجفيف موارد “داعش” في العراق وسوريا على “المجموعات الارهابية” في ليبيا أيضا. وذلك بعد اسابيع على دعوة وجهها وزير الدفاع الفرنسي”جان إيف لودريان” لمواجهة ما اسماه التهديد الارهابي، عبر التحرك في ليبيا قبل فوات الأوان.

فهل فات الأوان؟ أم أن الفرصة ما زالت متاحة لانقاذ ديمقراطية كانت محتملة قبل ثلاث سنوات، وتمّ التخلي عنها وهي لم تزل بعد في مرحلة المخاض؟ الشعور السائد هو أن المجتمع الدولي، وبخاصة الولايات المتحدة الاميركية وحلف الناتو، أوصل ليبيا كما يقول المثل الى منتصف البئر، ثم قطع الحبل بها. فبعد الاحداث التي شهدتها السفارة الاميركية واغتيال السفير الاميركي، تواتر انسحاب القوى الدولية بوجوه مختلفة من البلاد، واقتصر الأمر على ارسال مبعوثين لم يقدم أو يؤخرعلى الأرض.

آخر هؤلاء، كان مبعوث الامم المتحدة ” برنارد ليون” الذي نجح في جمع نواب متخاصمين للمرة الاولى، تعهدوا على مواصلة الحوار لانهاء العنف والفوضى المؤسساتية في البلاد. نجاح لم يشكل أي اختراق، نظرا لرفض نواب آخرين له، تجاوبا مع رغبة قيادات مختلفة. في حين تبقى العيون شاخصة على المبادرة الجزائرية، المتمثلة باستضافة مختلف الاطراف والفصائل السياسة. وذلك بهدف دراسة سبل الخروج من الازمة. مبادرة لاقت ترحيبا دوليا واقليميا، اتى آخره من ايران، دون أن يرفع ذلك منسوب الأمل بالتوصل الى نتيجة.

الجزائر كانت أغلقت في وقت سابق حدودها مع ليبيا، وظلت على اتصال مباشر مع مصر، يُبقي العين على الجار المشترك. دون ان يقف “الهمّ الليبي” عند الحدود البرية. فقد ذهب مراقبون الى وضع الصراع الحاصل داخليا، في إطار صراع أشمل منه، تشكل مواجهة “جماعة الاخوان المسلمين” والقضاء عليها أحد أبرز عنوانيه. وقد وصفت دورية “ناشونال انترست” في أحد مقالاتها المنشورة ليبيا ب” أحدث ساحة قتال للسباق الاقليمي المرير الذي يدور بين المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ومصر من جهة، وتركيا وقطر والسودان من جهة أخرى.”
على وقع كل ذلك، وفيما خفتت اصوات نشطاء المجتع المدني الوليد، بعدما تم اسكات بعضها باعتداءات وصلت حد الاغتيال؛ يعيش أهل ليبيا بمعظمهم يوما بيوم. مشغولون بتأمين مستلزماتهم المعيشية، بانتظار ما ينقذهم من براثن الفوضى وانعدام الامن. فهل من أمل؟

“الثوار” أجمعوا، واجتمعوا، قبل سنوات ثلاث على اسقاط القذافي، وخاضوا معركة إزالته أفرادا وجماعات لم تلتق الا على الرغبة بالتخلص من حكمه. وبعد سنون طويلة من الكبت والقمع، سنحت الفرصة، والامكانية، لكل فصيل من هؤلاء أن يفعل ما يريد دون حسيب او رقيب، بعيدا عن سلطة مركزية. وهذا ما يزيد من صعوبة اقناعهم بالجلوس الى طاولة حوار، يتم خلالها التوافق على اسس بناء دولة. لكن في نهاية الأمر، لا مناص من خطوة كهذه، تأتي داخلية بضغط خارجي متى سمحت الظروف والمصالح.

الانقاسامات في ليبيا، وكما تبين، ليست دينية، ولا يخيم عليها شبح “الفتنة السنية-الشيعية”، ولا الصراع على القومية. وهي بذلك تختلف عن الأحداث التي تدور رحاها في أماكن أخرى من العالم العربي. فهل يزيد ذلك من منسوب الأمل في التوصل الى حلول؟ أم أن الفوضى بحد ذاتها تبقى هي الغاية هذه الأيام في هذا الجزء من العالم، بغض النظر عن المسببات؟

التشاؤم قد يطغى هنا رغم الأمل. فما بين كونداليزا رايس وهيلاري كلينتون وصولا الى جون كيري، سنوات في عمر الادارة الاميركية،تنوعت فيها المقاربات الاستراتيجية. لكن على ما يبدو، أبقت “القابلة القانونية الاميركية للديمقراطية في .العالم العربي” على تغذية الفوضى والتفتيت، كمرحلة لا بد منها